تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 440

مساهمون:

ص٤٤٠
ليس هو السبب وحده ولكن مع كونها للمساكين ، فلما كان كل من الغصب والمسكنة سبب الفعل قدمها على الغصب إشارة إلى أن أقوى السببين الحاملين على فعله الرأفة بالمساكين . ثم شرع في تأويل المسألة الثانية بقوله :
وَأَمَّا الْغُلامُ
الذي قتلته
فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ
التثنية للتغليب يريد أباه وأمه فغلب المذكر وهو شائع ومثله العمران ، قيل : إن ذلك الغلام كان بالغا وكان يقطع الطريق ويقدم على الأفعال المنكرة ، وكان أبواه يحتاجان إلى دفع شر الناس عنه والتعصب له وتكذيب من يرميه بشيء من المنكرات وكان يصير سببا لوقوعهما في الفسق وربما قاد ذلك الفسق إلى الكفر ، وقيل : إنه كان صبيا إلا أنه علم منه أنه لو صار بالغا لحصلت فيه هذه المفاسد ، وفي الحديث « أنه طبع كافرا ولو عاش لأرهقهما » « 1 » ذلك كما قال
فَخَشِينا
أي : خفنا ، والخشية خوف يشوبه تعظيم
أَنْ يُرْهِقَهُما
أي : يغشيهما ويلحقهما
طُغْياناً وَكُفْراً
أي : لمحبتهما له يتبعانه في ذلك فإن قيل : هل يجوز الإقدام على قتل الإنسان بمثل ذلك ؟ أجيب : بأنه إذا تأكد ذلك بوحي من اللّه تعالى جاز ، وعن ابن عباس أن نجدة الحروري كتب إليه كيف قتله أي : كيف قتل الخضر الغلام ، وقد نهى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن قتل الولدان فكتب إليه : « إن علمت من حال الولدان ما علمه عالم موسى فلك أن تقتل » . رواه بمعناه مسلم . ولما ذكر ما يلزم على تقدير بقائه من الفساد تسبب عنه قوله :
فَأَرَدْنا
أي : بقتله وإراحتهما من شره
أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما
أي : المحسن إليهما بإعطائه وأخذه ، قال مطرف : فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل ولو بقي كان فيه هلاكهما ، فليرض كل امرئ بقضاء اللّه تعالى فإن قضاء اللّه تعالى للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب ولهذا أبدلهما اللّه تعالى
خَيْراً مِنْهُ زَكاةً
أي : طهارة وبركة من الذنوب والأخلاق الرديئة وصلاحا وتقوى
وَأَقْرَبَ رُحْماً
أي : رحمة وعطفا عليهما ، وقيل : هو من الرحم والقرابة ، قال قتادة : أي : أوصل للرحم وأبرّ للوالدين ، قال الكلبي : أبدلهما اللّه تعالى جارية فتزوجها نبيّ من الأنبياء فولدت له نبيا فهدى اللّه تعالى على يديه أمّة من الأمم ، وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال : أبدلهما اللّه تعالى جارية ولدت سبعين نبيا ، وقال ابن جريج : أبدلهما بغلام مسلم ، وقرأ نافع وأبو عمرو
أَنْ يُبْدِلَهُما
بفتح الباء الموحدة وتشديد الدال والباقون بسكون الموحدة وتخفيف الدال ، وقرأ ابن عامر
رُحْماً
برفع الحاء والباقون بالسكون . ثم شرع في تأويل المسألة الثالثة بقوله :
وَأَمَّا الْجِدارُ
أي : الذي أشرت بأخذ الأجر عليه
فَكانَ لِغُلامَيْنِ
ودل على كونهما دون البلوغ بقوله :
يَتِيمَيْنِ
وكان اسم أحدهما أصرم والآخر صريما . ولما كانت القرية لا تنافي التسمية بالمدينة وكان التعبير بالقرية أولا أليق عبر بها لأنها مشتقة من معنى الجمع فكان أليق بالذم في ترك الضيافة ، ولما كانت المدينة بمعنى محل الإقامة عبر بها فقال :
فِي الْمَدِينَةِ
فكان التعبير بها أليق للإشارة به إلى أن الناس يعملون فيها فينهدم الجدار وهم مقيمون فيأخذون الكنز كما قال ،
وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما
فلذلك أقمته احتسابا ، واختلف في ذلك الكنز فعن أبي الدرداء أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « كان ذهبا وفضة » « 2 » رواه البخاري في تاريخه والترمذي والحاكم وصححه والذم على كنزهما في قوله تعالى :
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ
هامش
( 1 ) تقدم الحديث مع تخريجه قبل قليل . ( 2 ) أخرجه الحاكم في المستدرك 2 / 400 .