تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 436

مساهمون:

ص٤٣٦
وروينا أنه أخذ رأسه فاقتلعه بيده ، وروى عبد الرزاق هذا الخبر وأشار بيده بأصابعه الثلاثة الإبهام والسبابة والوسطى وقلع رأسه ، وروي أنه رضخ رأسه بالحجارة ، وقيل : ضرب رأسه بالجدار فقتله وكونه لم يبلغ الحنث هو قول الأكثرين . وقال الحسن : كان رجلا ، قال شعيب الحياني : وكان اسمه جيسور ، وقال الكلبي : كان فتى يقطع الطريق ويأخذ المتاع ويلتجئ إلى أبويه ، وقال الضحاك : كان غلاما يعمل بالفساد ويتأذى منه أبواه ، وعن أبيّ بن كعب قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا » « 1 » . قال الرازي : وليس في القرآن كيف لقياه ، هل كان يلعب مع جمع من الغلمان أو كان منفردا ؟ وهل كان مسلما أو كافرا ؟ وهل كان بالغا أو صغيرا ؟ وكأن اسم الغلام بالصغير أليق وإن احتمل الكبير إلا أن قوله :
بِغَيْرِ نَفْسٍ
أليق بالبالغ منه بالصبيّ لأن الصبي لا يقتل وإن قتل ، قال البقاعي : إلا أن يكون شرعهم لا يشترط البلوغ ، وقال ابن عباس : ولم يكن نبي اللّه يقول : أقتلت نفسا زاكية بغير نفس إلا وهو صبيّ ، قال الرازي أيضا : وكيفية قتله هل قتله بأن حزّ رأسه أو بأن ضرب رأسه بالجدار أو بطريق آخر فليس في القرآن ما يدل على شيء من هذه الأقسام انتهى . ثم أجاب الشرط بقوله مشعرا بأن شروعه في الإنكار في هذه أسرع
قالَ
موسى :
أَ قَتَلْتَ
يا خضر
نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ
قتلتها ليكون قتلها لها قودا ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بألف بعد الزاي وتخفيف الياء التحتية والباقون بغير ألف بعد الزاي وتشديد التحتية ، قال الكسائي : الزاكية والزكية لغتان ومعنى هذه الطهارة ، وقال أبو عمرو : الزاكية التي لم تذنب والزكية التي أذنبت ثم تابت ثم استأنف قوله :
لَقَدْ
أظهر الدال نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم وأدغمها الباقون
جِئْتَ
في قتلك إياها
شَيْئاً
وصرح بالإنكار في قوله :
نُكْراً
لأن مباشرة الخرق سبب ، ولهذا قال بعضهم : النكر أعظم من الأمر في القبح لأن قتل الغلام أعظم من خرق السفينة لأنه يمكن أن لا يحصل الغرق ، وأمّا هنا فقد حصل الإتلاف قطعا ، والنكر ما أنكرته العقول ونفرت منه النفوس فهو أبلغ في القبح من الأمر ، وقيل : الأمر أعظم لأن خرق السفينة يؤدي إلى إتلاف نفوس كثيرة وهذا القتل ليس إلا إتلاف شخص واحد ، وقرأ نافع وابن ذكوان وشعبة برفع الكاف والباقون بسكونها . ولما كانت هذه ثانية .
قالَ
له الخضر :
أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ
يا موسى
لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً
وهذا عين ما ذكره في المسألة الأولى إلا أنه هنا زاد لفظه لك فإن قيل : لم زادها هنا ؟ أجيب : بأنه زادها مكافحة بالعقاب على رفض الوصية ووسما بقلة الصبر والثبات لما تكرر منه الاشمئزاز والاستكبار ولم يرعو بالتذكير أول مرّة ، قال ابن الأثير : المكافحة المدافعة والمضاربة والاشمئزاز من اشمأز الرجل أي : انقبض قلبه ، قال البغوي : وفي القصة أن يوشع كان يقول لموسى : يا نبيّ اللّه اذكر العهد الذي أنت عليه .
قالَ
موسى حياء منه لما أفاق بتذكيره ما حصل من فرط الوجد لأمر اللّه تعالى فذكر أنه ما تبعه إلا بأمر اللّه تعالى
إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها
أي : بعد هذه المرّة وأعلم بشدّة ندمه على الإنكار بقوله :
فَلا تُصاحِبْنِي
أي : لا تتركني أتبعك بل فارقني ثم علل ذلك بقوله :
قَدْ بَلَغْتَ
وأشار إلى أن ما وقع منه من الإخلال بالشرط من أعظم الخوارق التي اضطر إليها فقال :
مِنْ
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في القدر حديث 2661 ، وأبو داود في السنة حديث 4705 .