تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 434

مساهمون:

ص٤٣٤

[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 77 إلى 78 ]

فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً ( 77 ) قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً ( 78 )
قالَ
له موسى آتيا بنهاية التواضع لمن هو أعلم منه إرشادا لما ينبغي في طلب العلم رجاء تسهيل اللّه تعالى له النفع به
سَتَجِدُنِي
فأكد الوعد بالسين ثم أخبر تعالى أنه قوّى تأكيده بالتبرك بذكر اللّه تعالى لعلمه بصعوبة الأمر على الوجه الذي تقدّم الحث عليه في هذه السورة في قوله تعالى :
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
ليعلم أنه منهاج الأنبياء فقال :
إِنْ شاءَ اللَّهُ
أي : الذي له صفات الكمال
صابِراً
على ما يجوز الصبر عليه ثم زاد التأكيد بقوله عطفا بالواو على صابرا لبيان التمكن في كل من الموضعين
وَلا أَعْصِي
أي : وغير عاص
لَكَ أَمْراً
تأمرني به غير مخالف لظاهر أمر اللّه تعالى . تنبيه : دلت هذه الآية الكريمة على أنّ موسى راعى أنواعا كثيرة من الأدب واللطف عندما أراد أن يتعلم من الخضر ، منها أنه جعل نفسه تبعا له بقوله :
هَلْ أَتَّبِعُكَ
ومنها أنه استأذن في إثبات هذه التبعية كأنه قال : هل تأذن لي أن أجعل نفسي تبعا لك ؟ وهذه مبالغة عظيمة في التواضع ، ومنها قوله صلّى اللّه عليه وسلّم :
عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ
وهذا إقرار منه على نفسه بالجهل وعلى أستاذه بالعلم ، ومنها قوله :
مِمَّا عُلِّمْتَ
وصيغة من للتبعيض وطلب منه تعليم بعض ما علم ، وهذا أيضا إقرار بالتواضع كأنه يقول : لا أطلب منك أن تجعلني مساويا لك في العلم بل أطلب منك أن تعطيني جزءا من أجزاء ما علمت ، ومنها أن قوله :
مِمَّا عُلِّمْتَ
اعتراف منه بأن اللّه تعالى علمه ذلك العلم ، ومنها قوله :
رُشْداً
طلب منه الإرشاد والهداية ، ومنها قوله :
سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً ،
ومنها أنه ثبت بالأخبار أن الخضر عرف أولا أن موسى صاحب التوراة وهو الرجل الذي كلمه اللّه من غير واسطة وخصه بالمعجزات القاهرة الباهرة ، ثم إنه مع هذه المناصب الرفيعة والدرجات العالية الشريفة أتى بهذه الأنواع الكثيرة من التواضع ، وذلك يدل على كونه آتيا في طلب العلم بأعظم أبواب المبالغة في التواضع وذلك يدل على أن هذا هو اللائق به ، لأن كل من كانت إحاطته بالعلوم التي علم ما فيها من البهجة والسعادة أكثر كان طلبه لها أشدّ ، فكان تعظيمه لأرباب العلم أكمل وأرشد ، وكل ذلك يدل على أنّ الواجب على المتعلم إظهار التواضع بكل الغايات ، وأمّا المعلم فإن رأى أن في التغليظ على المتعلم ما يفيد نفعا وإرشادا إلى الخير فالواجب عليه ذكره فإنّ السكوت عنه يوقع المتعلم في الغرور وذلك يمنعه من التعلم . وروي أن موسى لما قال :
هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً
قال له الخضر : كفى بالتوراة علما وببني إسرائيل شغلا ، فقال له موسى : اللّه أمرني بهذا .
قالَ
له الخضر :
فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي
أي : صحبتني ولم يقل : اتبعني ولكن جعل الاختيار إليه إلا أنه شرط عليه شرطا فقال :
فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ
أقوله أو أفعله
حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ
خاصة
مِنْهُ ذِكْراً
أي : حتى أبدأك بوجه صوابه فإني لا أقدم على شيء إلا وهو صواب جائز في نفس الأمر ، وإن كان ظاهره غير ذلك فقبل موسى شرطه رعاية لأدب المتعلم من العالم ، ولما تشارطا وتراضيا على الشرط تسبب عن ذلك قوله تعالى :
فَانْطَلَقا
أي : موسى والخضر عليهما السّلام على الساحل فانتهيا إلى موضع احتاجا فيه إلى ركوب السفينة فما زالا يطلبان سفينة يركبان فيها واستمرّا
حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ
التي مرت بهما وأجاب الشرط بقوله :
خَرَقَها
أي : أخذ