تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
الناس بخير ما بقي الأوّل حتى يتعلم الآخر ، وإذا هلك الأوّل قبل أن يتعلم الآخر هلك الناس . وقيل لسعيد بن جبير : ما علامة هلاك الناس ؟ قال : هلاك علمائهم ، ثم أثبت تعالى لنفسه أمرا كليا فقال :
وَاللَّهُ ،
أي : الملك الأعلى .
يَحْكُمُ
في خلقه بما يريد ؛ لأنه
لا مُعَقِّبَ ،
أي : راد ؛ لأنّ التعقيب ردّ الشيء بعد فصله
لِحُكْمِهِ
وقد حكم للإسلام بالإقبال وعلى الكفر بالإدبار ، وذلك كائن لا يمكن تغييره . تنبيه : محل جملة لا معقب لحكمه النصب على الحال كأنه قيل : واللّه يحكم نافذا حكمه كما تقول : جاءني زيد لا عمامة على رأسه ولا قلنسوة تريد حاسرا
وَهُوَ
عز وجل مع تمام القدرة
سَرِيعُ الْحِسابِ
فيحاسبهم عما قليل في الآخرة بعد ما عذبهم بالقتل والإجلاء في الدنيا . وقال ابن عباس : يريد سريع الانتقام يعني : حسابه للمجازاة بالخير والشرّ ، فمجازاة الكفار بالانتقام منهم ، ومجازاة المؤمنين بإيصال الثواب إليهم ، وقد تقدّم الكلام في معنى سريع الحساب قبل هذا . وقوله تعالى :
وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ،
أي : من كفار الأمم الماضية قيل : مكروا بأنبيائهم مثل نمروذ مكر بإبراهيم ، وفرعون مكر بموسى واليهود مكروا بعيسى فيه تسلية للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . وقوله تعالى :
فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً ،
أي : أن مكر جميع الماكرين حاصل بتخليقه وإرادته ؛ لأنه تعالى هو الخالق لجميع أعمال العباد ، فالمكر لا يضرّ إلا بإذنه ولا يؤثر إلا بتقديره ، فيه أمان له صلّى اللّه عليه وسلّم من مكرهم ، فكأنه قيل : إذا كان حدوث المكر من اللّه تعالى وتأثيره في الممكور به من اللّه وجب أن لا يكون الخوف إلا من اللّه تعالى لا من أحد من المخلوقين ، وذهب بعض المفسرين إلى أنّ المعنى : فلله جزاء المكر ، وذلك أنهم لما مكروا بالمؤمنين بيّن اللّه تعالى أنه يجازيهم على مكرهم . قال الواحدي : والأوّل أظهر القولين بدليل قوله تعالى :
يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ،
أي : أنّ أكساب العباد معلومة للّه تعالى ، وخلاف المعلوم ممتنع الوقوع ، وإذا كان كذلك ، فلا قدرة لعبد على الفعل والترك ، فكان الكل من اللّه فيجازيهم على أعمالهم ، وفي ذلك وعيد وتهديد للكفار الماكرين . ثم إنه تعالى أكد ذلك التهديد بقوله تعالى :
وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ،
أي : العاقبة المحمودة في الدار الآخرة ألهم أم للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه ؟ وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالألف بعد الكاف على الإفراد والكاف مفتوحة والفاء مكسورة مخففة ، والباقون بالألف بعد الفاء على الجمع ، فالكاف مضمومة والفاء مفتوحة مشدّدة ، فمن قرأ بالإفراد أراد الجنس كقوله تعالى :
إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ
[ العصر ، 2 ] ليوافق قراءة الجمع . وقال عطاء : المستهزؤون وهم خمسة والمقتسمون وهم ثمانية وعشرون . وقال ابن عباس : يريد أبا جهل . قال الرازي : والأوّل هو الصواب ، أي : ليوافق قراءة الجمع كما مرّ . ولما تقدّم قوله تعالى :
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ
[ الرعد ، 7 ] عطف عليه بعد شرح ما استتبعه قوله تعالى :
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا ،
أي : لكونك لا تأتي بمقترحاتهم مع أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يقل يوما : إنه قادر عليها ، فكأنه قيل : فما أقول لهم ؟ فقال تعالى :
قُلْ
لهم
كَفى بِاللَّهِ
الذي له الإحاطة الكاملة
شَهِيداً ،
أي : بليغ العلم في شهادته بالاطلاع على ما ظهر وما بطن
بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
يشهد بتأييد رسالتي ، وتصحيح مقالتي بما أظهر لي من الآية ،