تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
في أهل السعادة والمغفرة ، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أمّ الكتاب ، ومثله عن ابن مسعود وهذا التأويل رواه جابر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وفي بعض الآثار : أنّ الرجل يكون قد بقي من عمره ثلاثون سنة فيقطع رحمه فيردّ إلى ثلاثة أيام ، والرجل يكون قد بقي من عمره ثلاثة أيام فيصل رحمه فيرد إلى ثلاثين سنة . وروي أنّ اللّه تعالى ينزل ، أي : أمره في آخر ثلاث ساعات تبقى من الليل فينظر في الساعة منهنّ في أمّ الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره ، فيمحو ما يشاء ويثبت . والقول الثاني : أنّ هذه الآية خاصة في بعض الأشياء دون بعض ، واختلفوا على هذا القول فقال سعيد بن جبير وقتادة : يمحو اللّه ما يشاء من الشرائع والفرائض ، فينسخه ويبدله ويثبت ما يشاء منها فلا ينسخه . وقال ابن عباس : يمحو اللّه ما يشاء ويثبت إلا الرزق والأجل والسعادة والشقاوة ، واستدل لهذا بما رواه حذيفة بن أسيد قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث اللّه ملكا فصوّرها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها ثم قال : يا رب أذكر أم أنثى ؟ فيقضي ربك ما يشاء ويكتب الملك ثم يقول الملك : يا رب رزقه فيقضي ربك ما يشاء ، ويكتب الملك ثم يقول : يا رب أشقي أم سعيد ؟ فيكتبان فيكتب عمله وأثره وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزاد ولا ينقص » « 1 » . وقال ابن عطية عن ابن عباس : هو الرجل يعمل بطاعة اللّه تعالى ، ثم يرجع لمعصية اللّه تعالى ، فيموت على ضلاله فهو الذي يمحو الذي يثبت يعمل الرجل بطاعة اللّه ، فيموت وهو في طاعته فهو الذي يثبت . وقال الحسن : يمحو ما يشاء ، أي : من جاء أجله يذهب به ويثبت من لم يجئ أجله إلى أجله . وعن سعيد بن جبير قال : يمحو ما يشاء من ذنوب العباد فيغفرها ، ويثبت ما يشاء فلا يغفرها . وقال عكرمة : يمحو اللّه ما يشاء من الذنوب بالتوبة ، ويثبت بدل الذنوب حسنات كما قال تعالى :
فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ
[ الفرقان ، 70 ] . وقال السدي : يمحو اللّه ما يشاء يعني القمر ويثبت ما يشاء يعني الشمس بيانه قوله تعالى :
فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً
[ الإسراء ، 12 ] . وقال الربيع : هذا في الأرواح يقبضها اللّه تعالى عند النوم ، فمن أراد موته أمسكه ، ومن أراد بقاءه أثبته وردّه إلى صاحبه بيانه قوله تعالى :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها
[ الزمر ، 42 ] الآية . وقيل إنّ اللّه تعالى يثبت في أوّل كل سنة حكمها ، فإذا مضت السنة محاه ، وأثبت حكما آخر للسنة المستقبلة . وقيل : يمحو اللّه الدنيا ويثبت الآخرة . وقيل : إنّ الحفظة يكتبون جميع أعمال بني آدم وأقوالهم فيمحو اللّه من ديوان الحفظة ما ليس فيه ثواب ولا عقاب . وقيل : هذا في المحن والمصائب فهي مثبتة في الكتاب ، ثم يمحوها بالدعاء والصدقة
وَعِنْدَهُ
تعالى
أُمُّ الْكِتابِ
أصل الكتب والعرب تسمي كل ما يجري مجرى الأصل للشيء أمّا ، ومنه أمّ الرأس للدماغ ، وأمّ القرى لمكة ، وكل مدينة فهي أمّ لما حولها من القرى فكذلك أمّ الكتاب هو الذي يكون أصلا لجميع الكتب ، وفيه قولان : الأوّل : أنه اللوح المحفوظ الذي لا يغير ولا يبدّل وجميع حوادث العالم العلوي والسفلي يثبت فيه . روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « كان اللّه
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في القدر حديث 2644 ، والطبراني في المعجم الكبير 3 / 198 ، والسيوطي في الدر المنثور 4 / 345 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 520 .