تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
واللعن ، ونحو ذلك مما فيه غيظهم
وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ ،
أي : أشدّ في المشقة بسبب القوّة والشدّة وكثرة الأنواع والدوام ، وعدم الانقطاع ، ثم بين تعالى أنّ أحدا لا يقيهم من عذابه بقوله تعالى :
وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ ،
أي : مانع يمنعهم إذا أراد بهم سوءا لا في الدنيا ولا في الآخرة ، والواقي فاعل من الوقاية ، وهي الحجز بما يدفع الأذية . ولما ذكر تعالى عذاب الكفار في الدنيا والآخرة أتبعه بذكر ثواب المتقين بقوله تعالى :
مَثَلُ ،
أي : صفة
الْجَنَّةِ ،
أي : التي هي مقرهم
الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ
واختلف في إعراب ذلك على أقوال : الأوّل : قال سيبويه :
مَثَلُ الْجَنَّةِ
مبتدأ وخبره محذوف والتقدير فيما قصصناه عليك
مَثَلُ الْجَنَّةِ .
والثاني : قال الزجاج :
مَثَلُ الْجَنَّةِ
جنة من صفتها كذا وكذا . والثالث :
مَثَلُ الْجَنَّةِ
مبتدأ وخبره .
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
كما تقول صفة زيد أسمر ، والرابع الخبر
أُكُلُها ،
أي : مأكولها
دائِمٌ
لأنه الخارج عن العادة ، فقد وصف اللّه تعالى الجنة بثلاثة أوصاف ، الأوّل : تجري من تحتها ، أي : من تحت قصورها وأشجارها الأنهار . الثاني : إن أكلها دائم لا ينقطع أبدا بخلاف جنة الدنيا . والثالث : قوله تعالى :
وَظِلُّها ،
أي : دائم ليس كظل الدنيا لا تنسخه الشمس ولا غيرها إذ ليس فيها شمس ولا قمر ولا ظلمة ، بل ظل ممدود لا ينقطع ولا يزول . ثم إنه تعالى لما وصف الجنة بهذه الصفات الثلاثة بيّن تعالى أنها للمتقين بقوله تعالى :
تِلْكَ ،
أي : الجنة العالية الأوصاف
عُقْبَى ،
أي : آخر أمر
الَّذِينَ اتَّقَوْا ،
أي : الشرك ، ثم كرر الوعيد للكافرين بقوله تعالى
وَعُقْبَى ،
أي : منتهى أمر
الْكافِرِينَ النَّارُ
لا غير ، وفي ترتيب النظمين إطماع للمتقين وإقناط للكافرين . واختلف في قوله تعالى :
وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ
على قولين الأوّل : أنهم أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمراد بالكتاب القرآن
يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ
من أنواع التوحيد والعدل والنبوّة والبعث والأحكام والقصص
وَمِنَ الْأَحْزابِ ،
أي : الجماعات من اليهود والنصارى وسائر الكفار
مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ
وهذا قول الحسن وقتادة . فإن قيل : الأحزاب منكرون كل القرآن ؟ أجيب : بأنهم لا ينكرون كل ما في القرآن ، لأنه ورد فيه إثبات اللّه تعالى وإثبات علمه وقدرته وحكمته وأقاصيص الأنبياء ، والأحزاب لا ينكرون كل هذه الأشياء . والقول الثاني : أنّ المراد بالكتاب التوراة ، وبأهله الذين أسلموا من اليهود والنصارى كعبد اللّه بن سلام وأصحابه ، ومن أسلم من النصارى ، وهم ثمانون رجلا أربعون من نجران وثمانية من اليمن واثنان وثلاثون من أرض الحبشة ، وفرحوا بالقرآن ؛ لأنهم آمنوا به وصدّقوه ، والأحزاب بقية أهل الكتاب ، وسائر المشركين ، وقيل : كان ذكر الرحمن قليلا في القرآن في الابتداء فلما اسلم عبد اللّه بن سلام ومن تبعه من أهل الكتاب ساءهم قلة ذكر الرحمن مع كثرة ذكره في التوراة ، فلما كرّر اللّه تعالى ذكره في القرآن فرحوا به فأنزل اللّه تعالى :
وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ
يعني مشركي مكة حين كتب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في كتاب الصلح بسم اللّه الرحمن الرحيم قالوا : ما نعرف إلا رحمن اليمامة ؟ يعني مسيلمة فأنزل اللّه تعالى :
وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ
[ الأنبياء ، 36 ] . ثم إنه تعالى لما بين هذا جمع كل ما يحتاج المرء إليه في معرفة المبدأ والمعاد وبينه بألفاظ قليلة فقال :
قُلْ ،
أي : يا أكرم الخلق على اللّه