تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠

[ سورة الرعد ( 13 ) : الآيات 38 إلى 43 ]

وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ ( 38 ) يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ( 39 ) وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ ( 40 ) أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 41 ) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ( 42 ) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ( 43 )
وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ ،
أي : نقلت عن أماكنها
أَوْ قُطِّعَتْ ،
أي : شققت
بِهِ الْأَرْضُ
من خشية اللّه تعالى عند قراءته ، فجعلت أنهارا وعيونا .
أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى ،
أي : بأن يحيوا ، وجواب لو محذوف ، أي : لكان هذا القرآن في غاية ما يكون من الصحة ، واكتفى بمعرفة السامعين مراده ، وهذا معنى قول قتادة قال : لو فعل هذا بقرآن قبل قرآنكم لفعل بقرآنكم . وقيل : تقديره لما آمنوا ، ونقل عن الفراء أنّ جواب لو هي الجملة من قوله :
وَهُمْ يَكْفُرُونَ
ففي الكلام تقديم وتأخير وما بينهما اعتراض ، وتقدير الكلام وهم يكفرون بالرحمن لو أنّ قرآنا سيرت به الجبال ، أو قطعت به الأرض ، أو كلم به الموتى لكفروا بالرحمن ، ولم يؤمنوا لما سبق من علمنا فيهم . فإن قيل : لم حذفت التاء في قوله تعالى :
أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى
وثبتت في الفعلين قبله ؟ أجيب : بأنه من باب التغليب ؛ لأنّ الموتى يشمل المذكر والمؤنث .
بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ ،
أي : القدرة على كل شيء
جَمِيعاً
وهذا إضراب عما تضمنته لو من معنى النفي ، أي : بل اللّه قادر على الإتيان بما اقترحوه من الآيات ، لكن الإرادة لم تتعلق بذلك لعلمه تعالى بأنه لا يلين قلوبهم ويؤيد ذلك قوله تعالى :
أَ فَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا
عن إيمانهم مع ما رأوا من أحوالهم وذهب أكثرهم إلى أنّ معناه : أفلم يعلم الذين آمنوا
أَنَّ ،
أي : بأنه
لَوْ يَشاءُ اللَّهُ ،
أي : الذي له صفات الكمال
لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً ،
أي : إلى الإيمان من غير آية ، ولكنه تعالى لم يشأ هداية جميع الخلائق
وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا ،
أي : جميع الكفار
تُصِيبُهُمْ بِما ،
أي : بسبب ما
صَنَعُوا قارِعَةٌ ،
أي : نازلة وداهية تقرعهم بأنواع البلايا تارة بالجدب ، وتارة بالسلب وتارة بالقتل ، وتارة بالأسر وغير ذلك . واختلف في الكفار على قولين . قيل : أراد بهم جميع الكفار ، لأنّ الوقائع الشديدة التي وقعت لبعض الكفار من ذلك أوجبت حصول الغم في قلب الكل . وقيل : المراد الكفار من أهل مكة والألف واللام للمعهود السابق ويدل لهذا قول ابن عباس : أراد بالقارعة السرايا التي كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يبعثها إليهم
أَوْ تَحُلُّ ،
أي : تنزل نزولا ثابتا تلك القارعة
قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ ،
أي : فتوهن أمرهم ، وقيل : معناه أو تحل أنت يا محمد بجيشك قريبا من دارهم مكة كما حل بالحديبية
حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ،
أي : بالنصر وظهور رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ودينه بفتح مكة ، أو بالنصر على جميع الكفرة في زمن عيسى عليه السّلام فينقطع ذلك ؛ لأنه لا يبقى على الأرض كافر . وقيل : أراد بوعد اللّه يوم القيامة ؛ لأنّ اللّه يجمعهم فيه فيجازيهم بأعمالهم
إِنَّ اللَّهَ لا