تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
معقبة واحدها معقب ثم جمعت معقبة بمعقبات كما قيل أبناآت ورجالات جمع أبناء ورجال والذي على التذكير قوله تعالى :
يَحْفَظُونَهُ
والثاني : وهو قول الأخفش إنما أنت لكثرة ذلك منها نحو نسابة وعلامة وهو ذكر ، واختلف في المراد من قوله تعالى :
مِنْ أَمْرِ اللَّهِ
على أقوال : أحدها : إنه على التقديم والتأخير ، والتقدير له معقبات من أمر اللّه يحفظونه . ثانيها : أنّ فيه إضمارا ، أي : ذلك الحفظ من أمر اللّه ، أي : مما أمر اللّه تعالى به فحذف الاسم وأبقى خبره . وثالثها : أنّ كلمة من معناها الباء والتقدير يحفظونه بأمر اللّه وبإعانته ، وقال كعب الأحبار : لولا أنّ اللّه تعالى وكّل بكم ملائكة يذبون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم لتخطفتكم الجنّ ، وقال ابن جريج : معنى يحفظونه ، أي : يحفظون عليه الحسنات والسيئات ، فإن قيل : ما الفائدة في تخصيص هؤلاء الملائكة مع بني آدم وتسليطهم عليهم ؟ أجيب : بأن الإنسان إذا علم أنّ الملائكة تحصي عليه أعماله كان إلى الحذر من المعاصي أقرب ؛ لأنّ من اعتقد جلالة الملائكة وعلو مراتبهم ، فإذا حاول الإقدام على معصية واعتقد أنهم يشاهدونها زجره الحياء منهم عن الإقدام إليها كما يزجره إذا حضر من يعظمه من البشر ، وإذا علم أنّ الملائكة تحصي عليه تلك الأعمال ، كان ذلك أيضا ردعا له عنها ، وإذا علم أنّ الملائكة يكتبونها كان الردع أكمل . ولما دل ذلك على غاية القدرة والعظمة قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ
مع قدرته
لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ ،
أي : لا يسلبهم نعمته
حَتَّى يُغَيِّرُوا ما ،
أي : الذي
بِأَنْفُسِهِمْ
من الأحوال الجميلة إلى الأحوال القبيحة
وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً ،
أي : هلاكا وعذابا
فَلا مَرَدَّ لَهُ
أي لا يقدر أحد لا من المعقبات ولا من غيرها أن يرد ما نزل بهم من قضائه وقدره
وَما لَهُمْ ،
أي : إن أراد اللّه بهم سواء
مِنْ دُونِهِ ،
أي : غير اللّه
مِنْ والٍ
يلي أمرهم وينصرهم ويمنع العذاب عنهم ، وقرأ ابن كثير في الوقف بإثبات الياء بعد اللام دون الوصل ، والباقون بغير ياء بعد اللام وقفا ووصلا . ولما خوّف اللّه تعالى بقوله :
وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً
أتبعه بذكر آيات تشبه النعم والإحسان من بعض الوجوه ، وتشبه العذاب والقهر من بعض الوجوه بقوله تعالى :
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً ،
أي : للمسافرين من الصواعق
وَطَمَعاً ،
أي : للمقيم في المطر ، وقيل : إنّ كل شيء يحصل في الدنيا يحتمل الخير والشر ، فهو خير بالنسبة إلى قوم وشر بالنسبة إلى آخرين ، فكذلك المطر خير في حق من يحتاج إليه في أوانه وشر في حق من يضرّه ذلك إما بحسب المكان وإما بحسب الزمان ، والبرق معروف وهو لمعان يظهر من بين السحاب
وَيُنْشِئُ ،
أي : يخلق
السَّحابَ الثِّقالَ ،
أي : بالمطر . تنبيه : خوفا وطمعا مصدران ناصبهما محذوف ، أي : تخافون خوفا وتطمعون طمعا ، ويجوز غير ذلك ، والسحاب قال علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه : غربال الماء وهو غيم ينسحب في السماء ، وهو اسم جنس جمعي واحده سحابة وأكثر المفسرين على أنّ الرعد في قوله تعالى :
وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ
على أنه اسم للملك الذي يسوق السحاب والصوت المسموع منه تسبيحه ولا يردّ ذلك عطف الملائكة عليه في قوله تعالى :
وَالْمَلائِكَةُ ،
أي : تسبحه
مِنْ خِيفَتِهِ
أي : اللّه ؛ لأنه أفرد بالذكر تشريفا له ، كما في قوله تعالى :
وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ
[ البقرة ، 98 ] . قال ابن عباس : « أقبلت يهود على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا : أخبرنا عن الرعد ما هو ؟ فقال : ملك من