تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
الأصول والأسباب لا يكون إلا بتخصيص قادر مختار ، قال مجاهد : وذلك كمثل بني آدم صالحهم وخبيثهم وأبوهم واحد . وقال الحسن : هذا مثل ضربه اللّه تعالى لقلوب بني آدم وكانت الأرض طينة واحدة في يد ، أي : في قدرة الرحمن فسطحها فصارت قطعا متجاورات ، فينزل عليها الماء من السماء ، فتخرج هذه زهرتها وشجرها وثمرها ونباتها ، وتخرج هذه سبخها وملحها وخبيثها وكل يسقى بماء واحد ، وكذلك الناس خلقوا من آدم ، فينزل عليهم من السماء تذكرة فترق قلوب قوم فتخشع وتخضع ، وتقسو قلوب قوم فتلهو ولا تسمع . وقال الحسن : واللّه ما جالس القرآن أحد إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان قال تعالى :
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً
[ الإسراء ، 82 ] وقرأ حمزة والكسائي بالياء ليطابق قوله تعالى :
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ
والباقون بالنون وقرأ نافع وابن كثير بسكون الكاف ، والباقون بالرفع
إِنَّ فِي ذلِكَ ،
أي : الأمر العظيم الذي ذكرناه
لَآياتٍ ،
أي : دلالات
لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ،
أي : يستعملون عقولهم بالتدبر والتفكر في الآيات الدالة على وحدانيته تعالى . ولما ذكر تعالى الدلائل القاهرة الدالة على معرفة المبدأ ذكر بعده ما يدل على المعاد بقوله تعالى :
وَإِنْ تَعْجَبْ ،
أي : يا أكرم الخلق من تكذيب الكفار لك بعد أن كنت تعرف عندهم بالصادق الأمين
فَعَجَبٌ ،
أي : فحقيق أن يتعجب منه
قَوْلُهُمْ ،
أي : منكري البعث
أَ إِذا كُنَّا تُراباً ،
أي : بعد الموت
أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ،
أي : خلق بعد الموت كما كنا قبله ، ولم يعلموا أنّ القادر على إنشاء الخلق وما تقدّم على غير مثال قادر على إعادتهم . وقيل : وإن تعجب من اتخاذ المشركين ما لا يضرّهم ولا ينفعهم آلهة يعبدونها مع إقرارهم بأنّ اللّه تعالى خلق السماوات ، والأرض ، وهو يضر وينفع ، وقد رأوا قدرة اللّه تعالى وما ضرب لهم به الأمثال فعجب قولهم ذلك ، والعجب تغير النفس برؤية المستبعد في العادة ، وقال المتكلمون : العجب هو الذي لا يعرف سببه ، وذلك في حق اللّه تعالى محال ؛ لأنه تعالى علام الغيوب لا تخفى عليه خافية ، وقرأ أبو عمرو وخلاد والكسائي بإدغام الباء في الفاء ، والباقون بالإظهار . تنبيه : هنا آيتان في كل منهما همزتان ، فقرأ قالون بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الهمزة الثانية ، ويدخل بينهما ألفا على الاستفهام ، وفي الآية الثانية بهمزة مكسورة وبعدها نون مشددة على الخبر ، وورش كذلك إلا أنه لا يدخل بين الهمزتين في أئذا ألفا وينقل في الثاني على أصله ، وابن كثير يقرأ بالاستفهام فيهما من غير إدخال ألف بين الهمزتين مع تحقيق الأولى وتسهيل الثانية فيهما ، وأبو عمرو كذلك مع إدخال ألف بينهما ، وابن عامر في الأول بهمزة مكسورة بعدها ذال مفتوحة على الخبر ، وفي الثاني بهمزة مفتوحة محققة وهمزة مكسورة محققة على الاستفهام ، وأدخل هشام بينهما ألفا بخلاف عنه ، والباقون بهمزتين محققتين الأولى مفتوحة ، والثانية مكسورة ولا ألف بينهما في الموضعين . فائدة : جميع ما في القرآن من ذلك أحد عشر موضعا في تسع سور ، والأحد عشر مكرّرة فتصير اثنين وعشرين ، في هذه السورة موضع ، والثاني والثالث في سورة الإسراء ، والرابع في المؤمنون ، والخامس في النمل ، والسادس في العنكبوت ، والسابع في السجدة ، والثامن والتاسع في الصافات ، والعاشر في الواقعة ، والحادي عشر في النازعات . وأذكر إن شاء اللّه تعالى في كل سورة من السور المذكورة مذهبهم في محله .