تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
فإن قيل : الزوجان لا بدّ وأن يكونا اثنين فما الفائدة في اثنين ؟ أجيب : بأنه قيل : إنه تعالى أوّل ما خلق العالم وخلق فيه الأشجار خلق من كل نوع من الأنواع اثنين فقط فلو قال : خلق زوجين لم يعلم أنّ المراد النوع أو الشخص ، فلما قال : اثنين علم أنه تعالى أوّل ما خلق من كل زوجين اثنين لا أقل ولا أزيد ، فكما أنّ الناس وإن كان فيهم الآن كثرة فابتداؤهم من زوجين اثنين بالشخص آدم وحوّاء ، فكذا القول في جميع الأشجار والزروع . الخامس منها قوله تعالى :
يُغْشِي ،
أي : يغطي
اللَّيْلَ
بظلمته
النَّهارَ ،
أي : والنهار الليل بضوئه فيعتدل فعلهما على ما قدّره اللّه تعالى لهما في السير من الزيادة والنقصان ، وذلك من الحكم النافعة في الدين والدنيا الظاهرة لكل ذي عقل أنها تدبيره بفعله واختياره وقهره واقتداره . وقرأ شعبة وحمزة والكسائي بفتح الغين وتشديد الشين ، والباقون بسكون الغين وتخفيف الشين . ولما ذكر تعالى هذه الدلائل النيرة والقواطع القاهرة جمعها وناطها بالفكر فقال تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ ،
أي : الذي وقع التحدّث عنه من الآيات
لَآياتٍ ،
أي : دلالات
لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ،
أي : يجتهدون في الفكر فيستدلون بالصنعة على الصانع ، وبالسبب على المسبب والتفكر والتدبر تصرف القلب في طلب معاني الأشياء . ثم إنه تعالى ذكر دليلا ظاهرا جدّا بقوله تعالى :
وَفِي الْأَرْضِ ،
أي : التي أنتم سكانها تشاهدون ما فيها مشاهدة لا تقبل الشك
قِطَعٌ ،
أي : بقاع مختلفة
مُتَجاوِراتٌ ،
أي : متقاربات يقرب بعضها من بعض واحدة طيبة ، والأخرى سبخة لا تنبت وأخرى صالحة للزرع لا للشجر ، وأخرى بالعكس ، وأخرى قليلة الريع ، وأخرى كثيرته مع انتظام الكل في الأرضية ، وهو من دلائل قدرته تعالى
وَجَنَّاتٌ ،
أي : بساتين فيها أنواع الأشجار من نخيل وأعناب وغير ذلك كما قال تعالى :
مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ
جمع صنو وهي النخلات يجمعها أصل واحد وتتشعب فروعها ، ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في عمه العباس : « عمّ الرجل صنو أبيه » « 1 » يعني أنهما من أصل واحد
وَغَيْرُ صِنْوانٍ ،
أي : متفرقات مختلفة الأصول وسمي البستان جنة ؛ لأنه يستر بأشجاره الأرض . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص برفع العين واللام والنون الثانية من صنوان والراء من غير مع التنوين في العين واللام والنون ، وعدم التنوين في الراء ، والباقون بالخفض في الأربعة وعدم التنوين في الراء . ولما كان الماء بمنزلة الأب والأرض بمنزلة الأم وكان الاختلاف مع اتحاد الأب والأم أعجب وأدل على الإسناد إلى الواحد المسبب لا إلى شيء من الأسباب قال : تسقى قراءة ابن عامر وعاصم بالياء على التذكير ، أي : المذكور ، وقراءة الباقين بالتاء على التأنيث ، أي : الجنات وما فيها
بِماءٍ واحِدٍ
فتخرج أغصانها وثمراتها في وقت معلوم لا تتأخر عنه ، ولا تتقدّم ، والماء جسم رقيق مائع به حياة كل نام ، وقيل في حدّه : جوهر سيال به قوام الأرواح
وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ،
أي : في الطعم ما بين حلو وحامض وغير ذلك . وفي الشكل والرائحة والمنفعة وغير ذلك ، وذلك أيضا مما يدل على القادر الحكيم ، فإنّ اختلافها مع اتحاد
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الزكاة حديث 983 ، وأبو داود في الزكاة حديث 1623 ، والترمذي في المناقب حديث 3758 .