تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
الظهور يقال : بدا يبدو إذا سكن في البادية ، يروى عن عمر : إذا بدونا جفونا ، أي : تخلقنا بأخلاق البدويين قال الواحدي : البدو بسط من الأرض يظهر فيه الشخص من بعيد ، وأصله من بدا يبدو بدوا ، ثم سمي المكان باسم المصدر ، وفي الآية دلالة على أن فعل العبد خلق اللّه تعالى ؛ لأنه أضاف إخراجه من السجن إلى اللّه تعالى ومجيئهم من البدو إليه
مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ
أي : أفسد
الشَّيْطانُ
بسبب الحسد
بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي
وأصل النزع دخول في أمر لإفساده . فإن قيل : إضافة يوسف عليه السّلام الخير إلى اللّه تعالى والشر إلى الشيطان تقتضي أن فعل الشر ليس من اللّه تعالى كما قاله بعض المبتدعة ، ولو كان منه لأضافه إليه . أجيب : بأنّ إضافة هذا الفعل إلى الشيطان مجاز ؛ لأنّ الفاعل المطلق هو اللّه تعالى في الحقيقة ، قال تعالى :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
[ الأنبياء ، 22 ] فثبت بذلك أنّ الكل من عند اللّه تعالى وبقضائه وقدره ، وليس للشيطان فيه مدخل إلا بإلقاء الوسوسة والتحريش لإفساد ذات البين ، وذلك بإقدار اللّه تعالى إياه على ذلك كما حكى اللّه تعالى ذلك عنه بقوله تعالى :
وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي
[ إبراهيم ، 22 ] ولما كان حصول الاجتماع بينه وبين إخوته وأبويه مع الألفة والمحبة وطيب العيش وفراغ البال ، وكان في غاية البعد عن العقول إلا أنه تعالى لطيف قال يوسف عليه السّلام
إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ ،
أي : لطيف التدبير له إذ ما من صعب إلا وتنفذ فيه مشيئته ، ويتسهل دونها فإذا أراد حصول الشيء سهل أسبابه فحصل ، وإن كان في غاية البعد عن الحصول
إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ
بوجوه المصالح والتدابير
الْحَكِيمُ ،
أي : الذي يفعل كل شيء في وقته وعلى وجه يقتضي الحكمة روي أنّ يوسف عليه السّلام طاف بأبيه في خزائنه ، فلما أدخله خزانة القرطاس قال : يا بنيّ ما أعقك عندك هذه القراطيس وما كتبت إليّ على ثمان مراحل ؟ قال : أمرني جبريل بذلك قال : أو ما تسأله ؟ قال : أنت أقرب مني إليه ، فسأله فقال جبريل : اللّه أمرني بذلك لقولك وأخاف أن يأكله الذئب ، قال : فهلا خفتني ؟ ولما حضر يعقوب عليه السّلام الموت وصى يوسف عليه السّلام أن يحمله ويدفنه عند أبيه فمضى بنفسه فدفنه ثمة . ثم عاد إلى مصر وأقام بعده ثلاثا وعشرين سنة . ولما تم أمره وعلم أنه لا يدوم تاقت نفسه إلى الملك الدائم فقال :
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي
وافتتح بقد ؛ لأنّ الحال حال توقع السامع لشرح حال الرؤيا
مِنَ الْمُلْكِ ،
أي : بعضه بعد بعدي منه جدّا وهو ملك مصر
وَعَلَّمْتَنِي مِنْ ،
أي : بعض
تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ
طبق ما بشرني به أبي وأخبرت به أنت من التمكين والتعليم قبل قولك
وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ
[ يوسف ، 21 ] ثم ناداه بوصف جامع للعلم والحكمة فقال :
فاطِرَ ،
أي : خالق
السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
ثم أعلمه بما هو أعلم به منه من أنه لا يعوّل على غيره في شيء من الأشياء
أَنْتَ وَلِيِّي ،
أي : الأقرب إليّ باطنا وظاهرا
فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ،
أي : لا وليّ لي غيرك ، والولي يفعل لموليه الأصلح والأحسن فأحسن لي في الآخرة أعظم مما أحسنت لي في الدنيا . روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم حكى عن جبريل عن رب العزة جل وعلا أنه قال : « من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين » « 1 » فلهذا المعنى من أراد الدعاء لا بدّ وأن يقدّم عليه ذكر الثناء
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي حديث 2926 ، وابن حجر في فتح الباري 11 / 147 ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 4 / 375 ، 5 / 7 .