تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
طلب هذه اللذات فيكون لقاء اللّه عنده أرجح فيتمنى الموت . وعن عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه أنّ ميمون بن مهران بات عنده فرآه كثير البكاء والمسألة للموت فقال له : صنع اللّه لك خيرا كثيرا أحييت سننا ، وأمت بدعا وفي حياتك خير وراحة للمسلمين ! فقال : أفلا أكون كالعبد الصالح لما أقرّ اللّه عينه وجمع أمره قال :
تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ .
فإن قيل : الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام يعلمون أنهم يموتون لا محالة على الإسلام ، فكان هذا الدعاء حاصله طلب تحصيل الحاصل وإنه لا يجوز ؟ أجيب : بأن حال كمال المسلم أن يستسلم لحكم اللّه تعالى على وجه يستقر قلبه على ذلك الاستسلام ، ويرضى بقضاء اللّه ، وتطمئن النفس وينشرح الصدر ، وينفسح القلب في هذا الباب ، وهذه حالة زائدة على الإسلام الذي هو ضدّ الكفر ، والمطلوب هاهنا هو الإسلام بهذا المعنى . فإن قيل : إنّ يوسف عليه السّلام كان من أكابر الأنبياء ، والصلاح أوّل درجة المؤمنين فالواصل إلى الغاية كيف يليق به أن يطلب البداية ؟ أجيب : بأن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال : يعني بأن يلحقه بآبائه إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ، والمعنى : ألحقني بهم في ثوابهم ودرجاتهم ، وولد ليوسف عليه السّلام من امرأة العزيز ثلاثة افراثيم وميشا وهو جدّ يوشع بن نون ورحمة امرأة أيوب عليهم السّلام ، ولما تاقت نفسه إلى الملك المخلد وتمنى الموت فلم يأت عليه أسبوع حتى توفاه اللّه عز وجل طيبا طاهرا ، وتشاح الناس في دفنه فطلب أهل كل محلة أن يدفن في محلتهم رجاء بركته حتى هموا بالقتال ، فرأوا أن يجعلوه في صندوق من مرمر ويدفنوه في النيل حيث يتفرّق الماء بمصير ليجري عليه الماء ، وتصل بركته إلى جميعهم ، قال عكرمة : دفن في الجانب الأيمن من النيل فأخصب ذلك الجانب ، وأجدب الجانب الآخر ، فنقل إلى الجانب الأيسر فأخصب ذلك الجانب وأجدب الآخر ، فدفنوه في وسطه وقدّروا ذلك بسلسلة فأخصب الجانبان إلى أن أخرجه موسى عليه السّلام ودفنه بقرب آبائه بالشام ، وقد يسر اللّه تعالى زيارته وزيارة آبائه في عام شرعت في هذا التفسير سنة أربع وستين وتسعمئة جمعني اللّه تعالى وآبائي وأهلي وأصحابي وأحبابي معهم في دار كرامته . ولما تمّ الذي كان من أمر يوسف عليه السّلام وإخوته على الوجه الأحكم ، والصراط الأقوم من ابتدائه إلى انتهائه قال تعالى مشيرا إلى أنه دليل كاف في تصحيح نبوّته صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله :

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 102 إلى 111 ]

ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ( 102 ) وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ( 103 ) وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ( 104 ) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ ( 105 ) وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ ( 106 ) أَ فَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 107 ) قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 108 ) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 109 ) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ( 110 ) لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 111 )