تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
وإنما لم يتعرّض لسيدته مع ما صنعته به كرما ومراعاة للأدب ، وقدّم سؤال النسوة وفحص حالهنّ لتظهر براءة ساحته ؛ لأنه لو خرج في الحال لربما كان يبقى في قلب الملك من تلك التهمة أثر ، فلما التمس من الملك أن يفحص عن حال تلك الواقعة دل ذلك على براءته من تلك التهمة ، فبعد خروجه لا يقدر أحد أن يلطخه بتلك الرذيلة وأن يتوصل بها إلى الطعن فيه ، وفي ذلك دليل على أنه ينبغي للشخص أن يجتهد في نفي التهم ويتقي مواقعها وروي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لقد عجبت من يوسف وصبره واللّه يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى اشترطت أن يخرجوني ، ولقد عجبت منه حيث أتاه الرسول فقال : ارجع إلى ربك ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة وبادرتهم الباب ولما ابتغيت العذر ، إن كان لحليما ذا أناة » « 1 » . وأصل الحديث في الصحيحين مختصرا ، وإنما قال صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك على سبيل التواضع لا أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان في الأمر منه مبادرة وعجلة لو كان مكان يوسف ، والتواضع لا يصغر كبيرا ولا يضع رفيعا ولا يبطل لذي حق حقه ، لكنه يوجب لصاحبه فضلا ويلبسه جلالة وقدرا ، وقوله : « واللّه يغفر له » مثل هذه المقدمة مشعرة بتعظيم المخاطب من توقيره وتوقير حرمته كما تقول لمن تعظمه : عفا اللّه عنك ما صنعت في أمري ، ورضي اللّه تعالى عنك ما جوابك عن كلامي ، وقوله : « إن كان لحليما » إن هي المخففة من الثقيلة ، والأناة الوقار ، وقيل : هو اسم من التأني في الأمور . وقرأ ابن كثير والكسائي بفتح السين ولا همزة بعدها ، والباقون بسكون السين وهمزة مفتوحة بعدها
إِنَّ رَبِّي ،
أي : اللّه
بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ
حين قلن أطع مولاتك ، وفيه تعظيم كيدهنّ والاستشهاد بعلم اللّه تعالى عليه وأنه بريء مما عيب به ، والوعيد لهنّ على كيدهنّ ، وقيل : المراد بربي الملك ، وجعله ربا لنفسه لكونه مربيا له ، وفيه إشارة إلى كون ذلك الملك عالما بكيدهنّ ومكرهنّ ، ولما قال يوسف عليه السّلام ذلك وأبى أن يخرج من السجن قبل تبين الأمر رجع الرسول إلى الملك فأخبره بما قال عليه السّلام فكأنه قيل : فما فعل الملك ؟ فقيل :
قالَ
للنسوة بعد أن جمعهنّ وامرأة العزيز معهنّ
ما خَطْبُكُنَّ ،
أي : ما شأنكنّ العظيم وقوله :
إِذْ راوَدْتُنَّ ،
أي : خادعتنّ
يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ
دليل على أنّ براءته كانت متحققة عند كل من علم القصة ، وإنما خاطب الملك جميع النسوة بهذا الخطاب ، والمراد بذلك امرأة العزيز وحدها ليكون أستر لها ، وقيل : إنّ امرأة العزيز راودته عن نفسه وسائر النسوة أمرنه بطاعتها فلذلك خاطبهنّ فكأنه قيل فما قلن ؟ قيل :
قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ،
أي : عياذا بالملك الأعظم وتنزيها له من هذا الأمر
ما عَلِمْنا عَلَيْهِ ،
أي : يوسف عليه السّلام وأغرقن في النفي فقلن
مِنْ سُوءٍ ،
أي : من خيانة في شيء من الأشياء ، ولما أنّ يوسف عليه السّلام راعى جانب امرأة العزيز حيث قال :
ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ
[ يوسف ، 50 ] فذكرهنّ ولم يذكر تلك المرأة البتة وعرفت المرأة أنه إنما ترك ذكرها رعاية لحقها وتعظيما لجانبها وإخفاء للأمر عنها أرادت أن تكافئه على هذا الفعل الحسن ، فلا جرم أزالت الغطاء والوطاء فلذلك
قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ
مصرحة بحقيقة الحال
الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ ،
أي : ظهر وتبين
أَنَا راوَدْتُهُ ،
أي : خادعته
عَنْ نَفْسِهِ
وأكدت ما أفصحت به مدحا ونفيا لكل سوء بقولها مؤكدا لأجل ما تقدّم
وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ،
أي : الغريقين في هذا الوصف في نسبة المراودة
هامش
( 1 ) أخرجه القرطبي في تفسيره 9 / 206 ، وابن كثير في تفسيره 4 / 319 .