تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
الأحزان ، وتجربة الأصدقاء ، وشماتة الأعداء . ثم أتى الملك فلما رآه غلاما حدثا فقال : أيعلم هذا رؤياي ولا يعلمها السحرة والكهنة ؟ ! ثم أقعده قدّامه وقال له : لا تخف وألبسه طوقا من ذهب وثيابا من حرير ، وأعطاه دابة مسرجة مزينة كدابة الملك ، وروي أنّ جبريل عليه السّلام دخل على يوسف وهو في الحبس وقال : قل : اللهم اجعل لي من عندك فرجا ومخرجا ، وارزقني من حيث لا أحتسب ، فقبل اللّه تعالى دعاءه وأظهر هذا السبب في تخليصه من السجن ، وروي أنّ يوسف لما دخل عليه قال : اللهم إني أسألك بخيرك من خيره وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره ، ثم سلم عليه بالعربية فقال : ما هذا اللسان ؟ قال : هذا لسان عمي إسماعيل ، ثم دعا له بالعبرانية فقال : ما هذا اللسان ؟ قال : هذا لسان آبائي ، قال وهب : كان الملك يتكلم بسبعين لغة ولم يعرف هذين اللسانين ، وكان الملك كلما كلمه بلسان أجابه يوسف عليه السّلام وزاد بالعربية والعبرانية
فَلَمَّا كَلَّمَهُ ،
أي : كلم الملك يوسف عليه السّلام وشاهد منه ما شاهد من جلال النبوّة وجميل الوزارة وخلال السيادة ومخايل السعادة أقبل عليه وقال : إني أحبّ أن أسمع منك تأويل رؤياي شفاها ، فأجابه بذلك الجواب شفاها وشهد قلبه بصحته فعند ذلك .
قالَ
له
إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ ،
أي : ذو مكانة وأمانة على أمرنا فما ترى أيها الصديق ؟
قالَ
أرى أن تزرع في هذه السنين المخصبة زرعا كثيرا وتبني الخزائن ، وتجمع فيها الطعام فإذا جاءت السنين المجدبة بعنا الغلال فيحصل بهذا الطريق مال عظيم ، فقال الملك : ومن لي بهذا الشغل ؟ فقال يوسف :
اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ
جمع خزانة وأراد خزائن الطعام والأموال ، والأرض أرض مصر ، أي : خزائن أرضك مصر ، وقال الربيع بن أنس : أي : خرج مصر ودخله . وروى ابن عباس عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الآية قال : « رحم اللّه أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته لكنه لما قال ذلك أخره اللّه تعالى سنة فأقام في بيته سنة مع الملك » « 1 » . قال الرازي : وهذا من العجائب ؛ لأنه لما تثاقل عند الخروج من السجن سهل اللّه تعالى عليه ذلك على أحسن الوجوه . ولما سارع في ذكر هذا الالتماس أخر اللّه تعالى ذلك المطلوب عنه ، وهذا يدل على أنّ ترك التصرف أتم ، والتفويض بالكلية إلى اللّه تعالى أولى ، ثم قال :
إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ،
أي : ذو حفظ وعلم بأمرها ، وقيل : كاتب وحاسب . فإن قيل : لم طلب يوسف عليه السّلام الإمارة والنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال لعبد الرحمن بن سمرة : « لا تسأل الإمارة » « 2 » . ولم طلب الإمارة من سلطان كافر ، ولم لم يصبر مدّة ، ولم أظهر الرغبة في طلبها في الحال ، ولم طلب أمر الخزائن في أوّل الأمر مع أن هذا يورث نوع تهمة ، ولم مدح نفسه وقد قال تعالى :
فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ
[ النجم ، 32 ] ولم ترك الاستثناء في هذا وقد قال تعالى :
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً ( 23 ) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[ الكهف : 23 ، 24 ] فهذه سبعة أسئلة ؟ .
هامش
( 1 ) أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال 32402 ، والسيوطي في الدر المنثور 4 / 23 ، والألباني في السلسلة الضعيفة 329 . ( 2 ) أخرجه البخاري في كفارات الأيمان حديث 6722 ، ومسلم في الأيمان حديث 1652 ، وأبو داود في الخراج حديث 2929 ، والترمذي في النذر حديث 1529 ، والنسائي في القضاة حديث 5384 .