تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ
أي : إن كنتم عالمين بعبارة الرؤيا فاعبروها . تنبيه : اللام في
لِلرُّءْيا
مزيدة فلا تعلق لها بشيء ، وزيدت لتقدّم المعمول تقوية للعامل كما زيدت إذا كان العامل فرعا كقوله تعالى :
فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ
[ البروج ، 16 ] ولا تزاد فيما عدا ذينك إلا ضرورة ، وقيل : ضمن تعبرون معنى ما يتعدّى باللام تقديره : إن كنتم تنتدبون لعبارة الرؤيا ، وقيل : متعلقة بمحذوف على أنها للبيان كقوله تعالى :
وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ
[ يوسف ، 20 ] تقديره : أعني فيه ، وكذلك هذا تقديره : أعني للرؤيا ، وعلى هذا يكون مفعول تعبرون محذوفا تقديره تعبرونها ، وفي الآية ما يوجبه حال العلماء من حاجة الملوك إليهم فكأنه قيل : فما قالوا ؟ فقيل :
قالُوا
هذه الرؤيا
أَضْغاثُ ،
أي : أخلاط
أَحْلامٍ
مختلطة مختلفة مشتبهة جمع ضغث بكسر الضاد وإسكان الغين المعجمة ، وهي قبضة حشيش مختلطة الرطب باليابس ، والأحلام جمع حلم بضم الحاء وإسكان اللام وضمها ، وهو الرؤيا فقيدوها بالأضغاث ، وهو ما يكون من الرؤيا باطلا لكونه من حديث النفس ووسوسة الشيطان لكونها تشبه أخلاط النبات التي لا تناسب بينها ؛ لأنّ الرؤيا تارة تكون من الملك وهي الصحيحة ، وتارة تكون من تحزين الشيطان وتخليطاته ، وتارة من حديث النفس ، ثم قالوا :
وَما نَحْنُ ،
أي : بأجمعنا
بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ ،
أي : المنامات الباطلة
بِعالِمِينَ ،
أي : ليس لها تأويل عندنا ، وإنما التأويل للمنامات الصادقة كأنه مقدّمة ثانية للعذر ولما سأل الملك عن هذه الرؤيا واعترف الحاضرون بالعجز عن الجواب تذكر ذلك الشرابي واقعة يوسف عليه السّلام ؛ لأنه كان يعتقد فيه كونه متبحرا في هذا العلم كما قال تعالى :
وَقالَ الَّذِي نَجا ،
أي : خلص
مِنْهُما ،
أي : من صاحبي السجن وهو الشرابي إنّ في الحبس رجلا فاضلا صالحا كثير العلم كثير الطاعة قصصت أنا والخباز عليه منامين فذكر تأويلهما فصدق في كل ما ذكر وما أخطأ في حرف ، فكانت هذه الرؤيا سببا لخلاص يوسف عليه السّلام ، ولم يتذكر الشرابي إلا بعد طول المدّة كما قال تعالى :
وَادَّكَرَ
بالدال المهملة ، أي : طلب الذكر بالذال المعجمة وزنه افتعل
بَعْدَ أُمَّةٍ ،
أي : وتذكر يوسف بعد جماعة من الزمان مجتمعة ، أي : مدّة طويلة ، والجملة اعتراض ومقول القول
أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ،
أي : إلى يوسف عليه السّلام فإنه أعلم الناس فأرسلوه إليه ، قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما : ولم يكن السجن بالمدينة فأتاه ، فقال الساقي المرسل إليه مناديا له نداء القرب تحببا إليه :
يُوسُفُ
وزاد في التحبب بقوله
أَيُّهَا الصِّدِّيقُ ،
أي : البليغ في الصدق والتصديق ؛ لأنه جرّب أحواله وعرف صدقه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه ، وهذا يدل على أنّ من أراد أن يتعلم من رجل شيئا فإنه يجب عليه أن يعظمه وأن يخاطبه بالألفاظ المشعرة بالإجلال ، ثم إنه أعاد السؤال يعني اللفظ الذي ذكره الملك فقال :
أَفْتِنا ،
أي : اذكر لنا الحكم
فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ ،
أي : رآهنّ الملك
يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ
من البقر
عِجافٌ وَ
في
سَبْعِ سُنْبُلاتٍ
جمع سنبلة وهي مجمع الحب من الزرع
خُضْرٍ وَ
في سبع
أُخَرَ
من السنابل
يابِساتٍ ،
أي : في رؤيا ذلك ، ونعم ما فعل من ذكر السؤال بعين اللفظ ، فإنّ نفس الرؤيا قد تختلف بحسب اختلاف الألفاظ كما هو مذكور في ذلك العلم ثم قال :
لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ ،
أي : إلى الملك وجماعته بفتواك قبل مانع يمنعني
لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ،
أي : بتأويل هذه الرؤيا ، وقيل : بمنزلتك في العلم . وقرأ نافع