تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
على أحدهم وسع عليه وإذا احتاج أحدهم جمع له شيئا ، قيل : إنه لما دخل السجن وجد قوما اشتدّ بلاؤهم وانقطع رجاؤهم وطال حزنهم فجعل يسكنهم ويقول : اصبروا وأبشروا تؤجروا فيقولون : بارك اللّه فيك يا فتى ما أحسن وجهك وخلقك وحديثك لقد بورك لنا في جوارك فمن أنت يا فتى ؟ قال : أنا يوسف ابن صفيّ اللّه يعقوب ابن ذبيح اللّه إسحاق ابن خليل اللّه إبراهيم ، فقال له عامل السجن : واللّه يا فتى لو استطعت لخليت سبيلك ، ولكن سأحسن جوارك فكن في أي بيوت السجن شئت . وروي أنّ الفتيين لما رأيا يوسف قالا : لقد أحببناك حين رأيناك ، فقال لهما يوسف : أنشدكما اللّه أن لا تحباني فو اللّه ما أحبني أحد قط إلا دخل عليّ من حبه بلاء ، لقد أحبتني عمتي فدخل عليّ بلاء ثم أحبني أبي فألقيت في الجب ، وأحبتني امرأة العزيز فحسبت ، فلما قصا عليه الرؤيا كره يوسف أن يعبر لهما ما سألاه لما علم في ذلك من المكروه على أحدهما .
قالَ
معرضا عن سؤالهما أخذا في غيره من إظهار المعجزة في الدعاء إلى التوحيد
لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ ،
أي : في منامكما
إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ ،
أي : في اليقظة
قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما
تأويله ، وقيل : أراد به في اليقظة ، يقول : لا يأتيكما طعام ترزقانه من منازلكما تطعمانه إلا نبأتكما بتأويله بقدره ولونه والوقت الذي يصل إليكما قبل أن يصل وأي طعام أكلتم ، ومتى أكلتم وهذه كمعجزة عيسى عليه السّلام حيث قال :
وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ
[ آل عمران ، 49 ] فقالا : هذا فعل العرافين والكهنة . فمن أين لك هذا العلم ؟ فقال : ما أنا بكاهن
ذلِكُما ،
أي : هذا التأويل والإخبار بالمغيبات
مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي
وفي ذلك حث على إيمانهم ثم قواه بقوله :
إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ ،
أي : دين
قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ
وكرر لفظة هم للتأكيد لشدّة إنكارهم للمعاد . ولما ادعى يوسف عليه السّلام النبوّة وأظهر المعجزة أظهر أنه من أهل بيت النبوّة بقوله :
وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ
ليسمعوا قوله ويطيعوا أمره فيما يدعوهم إليه من التوحيد ، فإنّ الإنسان متى ادّعى حرفة أبيه وجدّه لم يستبعد ذلك منه ، وأيضا فكمال درجة إبراهيم وإسحاق ويعقوب أمر مشهور في الدنيا ، فإذا أظهر أنهم آباؤه عظموه ونظروا إليه بعين الإجلال فكان انقيادهم له أتم وتأثير قلوبهم بكلامه أكمل . فإن قيل : إنه كان نبيا فكيف قال : اتبعت ملة آبائي ، والنبيّ لا بدّ وأن يكون مختصا بشريعة نفسه ؟ أجيب : بأنّ مراده التوحيد الذي لا يتغير ، أو لعله كان رسولا من عند اللّه تعالى إلا أنه كان نبىء على شريعة إبراهيم عليه السّلام ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بسكون ياء آبائي ، والباقون بالفتح
ما كانَ ،
أي : ما صح
لَنا
معشر الأنبياء
أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ
لأنّ اللّه تعالى طهره وطهر آباءه عن الكفر ونظيره قوله تعالى :
ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ
[ مريم ، 35 ] وإنما قال :
مِنْ شَيْءٍ
لأنّ أصناف الشرك كثيرة ، فمنهم من يعبد الأصنام ، ومنهم من يعبد النار ، ومنهم من يعبد الكواكب ، ومنهم من يعبد الملائكة ، فقوله : من شيء ردّ على هؤلاء الطوائف وإرشاد إلى الدين الحق ، وهو أنه لا موجد ولا خالق ولا رازق إلا اللّه
ذلِكَ ،
أي : التوحيد
مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا
بالوحي
وَعَلَى النَّاسِ ،
أي : سائرهم ببعثنا لإرشادهم وتثبيتهم عليه
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ ،
أي : المبعوث إليهم
لا يَشْكُرُونَ
هذه النعمة التي أنعم اللّه تعالى بها عليهم ؛ لأنهم تركوا عبادته وعبدوا غيره .