تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
اللاتي عيرنها بحب يوسف عليه السّلام
وَآتَتْ ،
أي : أعطت
كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً ،
أي : لتأكل بها ، وكانت عادتهنّ أن يأكلن اللحم والفواكه بالسكين
وَقالَتِ
زليخا ليوسف عليه السّلام
اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ،
أي : النسوة ، وكان يخاف من مخالفتها فخرج عليهنّ يوسف وكانت قد زينته واختبأته في مكان . وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي بكسر التاء في الوصل ، والباقون بالضم ، وأمّا الابتداء فجميع القراء يبتدؤون الهمزة بالضم
فَلَمَّا رَأَيْنَهُ ،
أي : النسوة
أَكْبَرْنَهُ ،
أي : أعظمنه ودهشن عند رؤيته ، واتفق الأكثرون على أنهنّ إنما أكبرنه بمحبتهنّ الجمال الفائق ، والحسن الكامل وكان يوسف قد أعطي شطر الحسن ، وقال عكرمة : كان فضل يوسف في الحسن كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب . وروي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « رأيت يوسف ليلة أسري بي إلى السماء كالقمر ليلة البدر » « 1 » ذكره البغويّ بغير سند ، وقال ابن إسحاق : كان يوسف إذا سار في أزقة مصر يتلألأ وجهه على الجدران كما يرى نور الشمس من الماء عليها ويقال : إنه ورث حسن آدم عليه السّلام يوم خلقه اللّه تعالى قبل أن يخرج من الجنة ، وقيل : ورث الجمال من جدّته سارة ، وقيل : أكبرنه يعني حضن ، والهاء للسكت يقال : أكبرت المرأة إذا حاضت ، وحقيقته دخلت في الكبر ؛ لأنها بالحيض تخرج من حدّ الصغر إلى حدّ الكبر ، وكأنّ أبا الطيب أخذ من هذا التفسير قوله « 2 » :
خف اللّه واستر ذا الجمال ببرقع * فإن لحت حاضت في الخدور العواتق
وقيل : أمنين قال الكميت « 3 » :
ولما رأته الخيل من رأس شاهق * صهلن وأمنين المنيّ المدفقا
وقال الرازي : إنما أكبرنه ؛ لأنهنّ رأين عليه نور النبوّة وسيما الرسالة ، وآثار الخضوع والإخبات وشاهدن فيه شهادة الهيبة ، وهيبة ملكية وهي عدم الالتفات إلى المطعوم والمنكوح وعدم الاعتداد بهنّ ، وكان الجمال العظيم مقرونا بتلك الهيبة ، فوقع الرعب والمهابة منه في قلوبهنّ .
وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ،
أي : جرحنها بالسكاكين التي معهنّ ، وهنّ يحسبن أنهنّ يقطعنّ الأترج ، ولم يجدن الألم من فرط الدهشة بيوسف ، وقال وهب : مات جماعة منهنّ
وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ،
أي : تنزيها له ، الرسم بغير ألف بعد الشين . وقرأ أبو عمرو في الوصل دون الوقف بألف بعد الشين والباقون بغير ألف وقفا ووصلا
ما هذا ،
أي : يوسف عليه السّلام
بَشَراً
وإعمال ما عمل ليس هي اللغة القدمى الحجازية ويدل عليها هذه الآية وقوله تعالى :
ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ
[ المجادلة ، 2 ]
إِنْ ،
أي : ما
هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ،
أي : على اللّه لما حواه من الحسن الذي لا يكون عادة في النسمة البشرية ، فإنّ الجمع بين الجمال الرائق والكمال الفائق والعصمة البالغة من خواص الملائكة .
قالَتْ ،
أي : زليخا للنسوة لما رأين يوسف ودهشن عند رؤيته
فَذلِكُنَّ ،
أي : فهذا هو
هامش
( 1 ) أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال 32409 . ( 2 ) البيت من الطويل ، وهو في ديوان المتنبي 1 / 122 ( طبعة دار الكتب العلمية ) . ( 3 ) البيت لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي .