تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
مقامه ، أي : بدا لهم السجن ، فحذف وأقيمت الجملة مقامه ، وليست الجملة فاعلا ؛ لأن الجمل لا تكون كذلك ، وقيل : الحبس هنا خمس سنين ، وقيل : سبع سنين . وقال مقاتل بن سليمان : حبس يوسف اثنتي عشرة سنة ، وقال الرازي : والصحيح أنّ هذه المقادير غير معلومة ، وإنما القدر المعلوم أنه بقي مسجونا مدّة طويلة لقوله تعالى :
وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ
[ يوسف ، 45 ] وعن عكرمة قال : قال رجل ذو رأي للعزيز : متى تركت هذا العبد يعتذر إلى الناس ، ويقص عليهم أمره فاتركه في بيتها لا يخرج إلى الناس فإن خرج للناس عذروه وفضحوا أهلك فأمر به فسجن .
وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ
وهما غلامان كانا للوليد بن نزوان العمليقي ملك مصر الأكبر أحدهما خبازه صاحب طعامه ، والآخر ساقيه صاحب شرابه غضب الملك عليهما فحبسهما وكان السبب فيه أنّ جماعة من أشراف مصر أرادوا المكر بالملك واغتياله وقتله ، فضمنوا لهذين الغلامين مالا على أن يسما الملك في طعامه وشرابه فأجابا إلى ذلك ثم إنّ الساقي ندم ورجع عن ذلك ، وقبل الخباز الرشوة وسم الطعام فلما حضر الطعام بين يدي الملك قال الساقي : لا تأكل أيها الملك فإنّ الطعام مسموم فقال الخباز : لا تشرب فإنّ الشراب مسموم . فقال الملك للساقي اشرب فشرب فلم يضره ، وقال للخباز : كل من طعامك فأبى فأطعم من ذلك الطعام دابة فهلكت ، فأمر بحبسهما ، وكان يوسف عليه السّلام حين دخل السجن قال لأهله : إني أعبر الأحلام ، فقال أحد الفتيين لصاحبه : هلم فلنجرّب هذا العبد العبراني فنتراءى له رؤيا . قال ابن مسعود : وما رأيا شيئا وإنما تحالما ليجربا يوسف وقال قوم : بل كانا رأيا حقيقة فرآهما يوسف وهما مهمومان فسألهما عن شأنهما فذكر أنهما صاحبا الملك حبسهما وقد رأيا رؤيا غمتهما ، فقال يوسف : قصا عليّ ما رأيتما
قالَ أَحَدُهُما
وهو صاحب شراب الملك
إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً .
فإن قيل : كيف يعقل عصر الخمر ؟ أجيب : عن ذلك بثلاثة أقوال : أحدها : أن يكون المعنى : أعصر عنب خمر ، أي : العنب الذي يكون عصيره خمرا فحذف المضاف . الثاني : أن العرب تسمي الشيء باسم ما يؤول إليه تقول : فلان يطبخ دبسا وهو يطبخ عصيرا . الثالث : قال أبو صالح : أزد وعمان يسمون العنب بالخمر فوقعت هذه اللفظة إلى أهل مكة فنطقوا بها . قال الضحاك : نزل القرآن بألسنة جميع العرب وذلك أنه قال : إني رأيت في المنام كأني في بستان وإذا فيه شجرة فيها ثلاثة أغصان عليها ثلاثة عناقيد من عنب فجنيتها وكان كأس الملك بيدي فعصرتها فيه ، وسقيت الملك فشربه
وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ
وذلك أنه قال : رأيت في المنام كأنّ فوق رأسي ثلاث سلال فيها الخبز وألوان الطعام وسباع الطير تنهش منه
نَبِّئْنا ،
أي : أخبرنا
بِتَأْوِيلِهِ ،
أي : بتفسيره
إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ،
أي : في علم التفسير ؛ لأنه متى عبر لم يخطئ كما قال :
وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ
[ يوسف ، 101 ] وقيل : في أمر الدين ؛ لأنه كان شديد المواظبة على الطاعات من الصوم والصلاة ، فإنه كان يصوم النهار ويقوم الليل كله ، ومن كان كذلك فإنه يوثق بما يقوله في تعبير الرؤيا وفي سائر الأمور ، وقيل : في حق الشركاء والأصحاب ؛ لأنه كان يعود مرضاهم ويؤنس حزينهم ، وإذا ضاق
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 121 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين