تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
والعصابة العشرة فما فوقها . وقيل : إلى الأربعين سموا بذلك ؛ لأنهم جماعة تعصب بهم الأمور ويستكفى بهم النوائب
إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ ،
أي : خطأ
مُبِينٍ ،
أي : بيّن في إيثاره حب يوسف وأخيه علينا والقرب المقتضي للحب في كلنا واحد ؛ لأنّا في النبوّة سواء ولنا مزية تقتضي تفضيلنا وهي أنا عصبة لنا من النفع له والذّب عنه والكفاية ما ليس لهما .

تنبيه :

هاهنا سؤالات : الأوّل : إنّ من المعلوم أنّ تفضيل بعض الأولاد على بعض يورث الحقد والحسد فلم أقدم يعقوب عليه السّلام على ذلك ؟ أجيب : بأنه إنما فضلهما في المحبة والمحبة ليست في وسع البشر فكان معذورا فيها ولا يلحقه في ذلك لوم . الثاني : كيف اعترضوا على أبيهم وهم يعلمون أنه نبيّ وهم مؤمنون به ؟ وأجيب : بأنهم وإن كانوا مؤمنين بنبوّته لكن جوّزوا أن يكون فعله باجتهاد ، ثم إنّ اجتهادهم أدّى إلى تخطئة أبيهم في ذلك الاجتهاد لكونهم أكبر سنا وأكثر نفعا وغاب عنهم أنّ تخصيصهما بالبرّ كان لوجوه : أحدها : أنّ أمّهما ماتت ، ثانيها : أنه كان في يوسف من آثار الرشد والنجابة ما لم يجده في سائر أولاده ، ثالثها : أنه وإن كان صغيرا إلا أنه كان يخدم أباه بأنواع من الخدمة أعلى وأشرف مما كان يصدر عن سائر أولاده ، والحاصل أنّ هذه المسألة كانت اجتهادية وكانت مخلوطة بميل النفس وموجبات الفطرة فلا يلزم من وقوع الاختلاف فيها طعن أحد الخصمين في دين الآخر . الثالث : أنهم نسبوا أباهم إلى الضلال عن رعاية مصالح الدنيا والبعد عن طريق الرشد لا الضلال في الدين . الرابع : أنّ قولهم :
لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا
محض حسد ، والحسد من أمّهات الكبائر لا سيما وقد أقدموا بسبب ذلك الحسد على أمور مذمومة منها قولهم :
اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً ،
أي : بحيث يحصل اليأس من اجتماعه بأبيه ، ومنها إلقاؤه في ذل العبودية ، ومنها أنهم أبقوا أباهم في الحزن الدائم والأسف العظيم ، ومنها إقدامهم على الكذب وكل ذلك يقدح في العصمة والنبوّة ؟ أجيب : بما تقدّم أنّ ذلك كان قبل النبوّة ، وقرأ نافع وابن كثير وهشام والكسائي بضم التنوين من مبين في الوصل ، والباقون بالكسر ، فإن وقف القارئ على مبين وامتحن في الابتداء يبتدئ بالضم للجميع ، وقولهم :
يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ
جواب الأمر ، أي : يصف لكم وجه أبيكم فيقبل بكليته عليكم ولا يلتفت عنكم إلى غيركم ولا ينازعكم في محبته أحد ، وقولهم :
وَتَكُونُوا
مجزوم بالعطف على
يَخْلُ لَكُمْ
أو منصوب بإضمار أن
مِنْ بَعْدِهِ ،
أي : قتل يوسف أو طرحه
قَوْماً صالِحِينَ
بأن تتوبوا إلى اللّه تعالى بعد فعلكم فإنه يعفو عنكم ، وقال مقاتل : يصلح أمركم فيما بينكم وبين أبيكم .
قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ
هو يهوذا وكان أحسنهم رأيا فيه ، وهو الذي قال :
فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ
[ يوسف ، 80 ] وقيل : روبيل وكان أكبرهم سنا
لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ ،
أي : اطرحوه
فِي غَيابَتِ الْجُبِّ ،
أي : في أسفله وظلمته ، والغيابة كل موضع ستر شيئا وغيبه عن النظر قال القائل « 1 » :
فإن أنا يوما غيبتني غيابتي * فسيروا بسيري في العشيرة والأهل
أراد غيابة حفرته التي يدفن فيها ، والجب البئر الكبيرة التي ليست مطوية سميت جبا لأنها
هامش
( 1 ) البيت للمتنخل في الكشاف 2 / 422 .