تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
الزيادة ، ولذلك قلبها ابن كثير وابن عامر هاء في الوقف ، ووقف الباقون بالتاء كالرسم ، وفي الوصل بالتاء للجميع ، وفتح التاء في الوصل ابن عامر ، وكسرها الباقون
إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
قال أهل التفسير : رأى يوسف عليه الصلاة والسّلام في منامه ، وكان ابن اثنتي عشرة سنة ، وقيل : سبع عشرة ، وقيل : سبع سنين ليلة الجمعة ، وكانت ليلة القدر كأنّ أحد عشر كوكبا نزلت من السماء ومعها الشمس والقمر ، فسجدوا له وفسروا الكواكب بإخوته ، وكانوا أحد عشر يستضاء بهم كما يستضاء بالنجوم ، والشمس والقمر بأبيه وأمّه بجعل الشمس للأمّ ؛ لأنها مؤنثة والقمر للأب ؛ لأنه مذكر . والذي رواه البيضاوي تبعا « للكشاف » عن جابر من أنّ يهوديا قال للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : أخبرني عن النجوم التي رآهن يوسف فأخبره بأسمائها فقال اليهودي : إي : واللّه إنها لأسماؤها . قال ابن الجوزي : إنه موضوع ، وقوله :
رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ
استئناف لبيان حالهم التي رآهم عليها فلا تكرار ؛ لأنّ الرؤية الأولى تدل على أنه شاهد الكواكب والشمس والقمر والثانية تدل على أنه شاهد كونها ساجدة له . وقال بعضهم : إنه لما قال : إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر قيل له : كيف رأيت ؟ قال : رأيتهم لي ساجدين . وقال آخرون : يجوز أن يكون أحدهما من الرؤية والآخر من الرؤيا ، وهذا القائل لم يبين أنّ أيهما يحمل على الرؤية وأيهما يحمل على الرؤيا ؟ قال الرازي : فذكر قولا مجملا غير مبين : فإن قيل : قوله :
رَأَيْتُهُمْ
وقوله :
ساجِدِينَ
لا يليق إلا بالعقلاء والكواكب جمادات فكيف جاءت اللفظة المخصوصة بالعقلاء في حق الجمادات ؟ أجيب : بأنها لما وصفت بالسجود صارت كأنها تعقل وأخبر عنها كما أخبر عمن يعقل كما قال تعالى في صفة الأصنام :
وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
[ الأعراف ، 198 ] وكما في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ
[ النمل ، 18 ] . فإن قيل : لم أفرد الشمس والقمر بالذكر مع أنهما من جملة الكواكب ؟ أجيب : بأنه أفردهما لفضلهما وشرفهما على سائر الكواكب كقوله تعالى :
وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ
[ البقرة ، 98 ] وهل المراد بالسجود نفس السجود حقيقة أو التواضع ؟ كلاهما محتمل ، والأصل في الكلام حمله على الحقيقة . قال أهل التفسير : إن يعقوب عليه السّلام كان شديد الحب ليوسف عليه السّلام فحسده إخوته لهذا السبب ، وظهر ذلك ليعقوب فلما رأى يوسف هذه الرؤيا ، وكان تأويلها أن أبويه وإخوته يخضعون له ، وخاف عليه حسدهم وبغيهم .
قالَ
له أبوه
يا بُنَيَّ
بصيغة التصغير للشفقة أو لصغر سنه على ما تقدّم ، وقرأ حفص في الوصل بفتح الياء ، والباقون بالكسر والتشديد للجميع
لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ ،
أي : لا تخبرهم برؤياك فإنهم يعرفون تأويلها
فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً ،
أي : فيحتالوا في هلاكك . فإن قيل : لم لم يقل : فيكيدوك كما قال : فكيدوني ؟ أجيب : بأنّ هذه اللام تأكيد للصلة كقوله :
لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ
[ يوسف ، 43 ] وكقوله : نصحتك ونصحت لك ، وشكوتك وشكوت لك . وقيل : صلة كقوله :
لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ
[ الأعراف ، 154 ] .
إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ،
أي : ظاهر العداوة كما فعل بآدم وحوّاء فلا يألو جهدا في تسويلهم وإثارة الحسد فيهم حتى يحملهم على الكيد ، وعن أبي قتادة قال : كنت أرأى الرؤيا تمرضني حتى سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « الرؤيا الصالحة من اللّه والحلم من الشيطان فإذا رأى أحدكم ما يحبه فلا يحدّث به إلا من يحب وإذا رأى ما يكره فلا
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 101 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين