تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 646

مساهمون:

ص٦٤٦
بالفعل الكثير كما قاله بعض أصحابنا ، وهو ظاهر الحديث أيضا . ولما كان اجتناء ثمرة الطاعة في غاية القرب منه نبه على ذلك باللام دون إلى فقال :
لِما يُحْيِيكُمْ
من العلوم الدينية فإنها حياة القلوب والجهل موتها ، قال أبو الطيب « 1 » :
لا تعجبنّ الجهول حليته * فذاك ميت وثوبه كفن
أو مما يورثكم الحياة الأبدية في النعيم الدائم من العقائد ، وقال السدي : هو الإيمان ؛ لأن الكافر ميت فيحيا بالإيمان ، وقال ابن إسحاق : هو الجهاد أعزكم اللّه تعالى به بعد الذل ، وقال العتبي : هو الشهادة لقوله تعالى :
بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
[ آل عمران ، 169 ]
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ
أي : إنه يميته فتفوته الفرصة التي هو واجدها وهي التمكن من إخلاص القلب ومعالجة أدوائه وعلله ورده سليما كما يردّه اللّه تعالى ، فاغتنموا هذه الفرصة وأخلصوا قلوبكم لطاعة اللّه ورسوله . وقال الضحاك : يحول بين المرء المؤمن والمعصية وبين الكافر والطاعة ، وقال السدي : يحول بين المرء وقلبه ، فلا يستطيع أن يؤمن ولا أن يكفر إلا بإذنه ، وقال مجاهد : يحول بين المرء وقلبه ، فلا يعقل ولا يدري ما يعمل . وعن أنس بن مالك رضي اللّه عنه أنه قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يكثر أن يقول : « يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك » قالوا : يا رسول اللّه آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا ؟ قال : « القلوب بين إصبعين من أصابع اللّه يقلبها كيف يشاء » « 2 »
وَأَنَّهُ
أي : واعلموا أنه تعالى :
إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
لا إلى غيره فلا تتركوا مهملين معطلين فيجازيكم بأعمالكم وفي هذا تشديد في العمل وتحذير عن الكسل والغفلة .
وَاتَّقُوا فِتْنَةً
أي : ذنبا ، قيل : هو إقرار المنكر بين أظهرهم ، وقيل : افتراق الكلمة ، وقيل : فتنة عذابا ، وقوله تعالى :
لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً
جواب الأمر ، والمعنى إن إصابتكم لا تصب الظالمين منكم خاصة ، ولكنها تعمكم ، كما يحكى إنّ علماء بني إسرائيل لم ينهوا عن المنكر ، فعمهم اللّه تعالى بالعذاب . فإن قيل : كيف جاز أن تدخل النون المؤكدة في جواب الأمر ؟ أجيب : بأنّ فيه معنى النهي كقولك : انزل عن الدابة لا تطرحك ولا تطرحنك ، وكقوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ
[ النمل ، 18 ]
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
لمن خالفه .
وَاذْكُرُوا
يا معاشر المهاجرين
إِذْ أَنْتُمْ
في أوائل الإسلام
قَلِيلٌ
أي : عددكم
مُسْتَضْعَفُونَ
أي : لا منعة لكم
فِي الْأَرْضِ
أي : أرض مكة ، وإطلاقها لأنها لعظمها كأنها هي الأرض كلها ، أو لأنّ حالهم كان في بقية البلاد كحالهم فيها أو قريبا من ذلك ، ولهذا عبر بالناس في قوله تعالى :
تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ
أي : تأخذكم الكفار بسرعة كما تتخطف الجوارح الصيد
فَآواكُمْ
إلى المدينة ، أو جعل لكم مأوى تتحصنون فيه على أعدائكم
وَأَيَّدَكُمْ
أي : قوّاكم
بِنَصْرِهِ
أي : بإمداد الملائكة يوم بدر ، وبمظاهرة الأنصار
وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ
هامش
( 1 ) البيت من البسيط ، وهو في ديوان المتنبي 1 / 215 بلفظ :لا يعجبن مضيما حسن بزّته * وهل تروق دفينا جودة الكفن( 2 ) أخرجه الترمذي في القدر حديث 2140 .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 646 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين