تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 644

مساهمون:

ص٦٤٤
مشرك إلا دخل في عينيه وفمه ومنخره ، فانهزموا وردفهم المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم ، والمعنى إنّ الرمية التي رميتها بلغ أثرها إلى ما لا يبلغه أثر البشر لكونها كانت برمي اللّه حيث أثرت ذلك الأثر العظيم ؛ لأن كفا من الحصباء لا يملأ عيون الجيش الكثير برمية البشر فأثبت الرمية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لأنّ صورتها وجدت منه ونفاها عنه ؛ لأنّ أثرها الذي لا تطيقه البشر فعل اللّه تعالى ، فكان اللّه تعالى هو فاعل الرمية على الحقيقة ، وكأنها لم توجد من الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أصلا . القول الثاني : إنها نزلت يوم خيبر ، روي أنه عليه الصلاة والسّلام أخذ قوسا وهو على باب خيبر ، فرمى سهما ، فأقبل السهم حتى قتل لبابة بن أبي الحقيق وهو على فرسه فنزلت . القول الثالث : إنها نزلت في يوم أحد في قتل أبيّ بن خلف ، وذلك إنه أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعظم رميم وفتته وقال : يا محمد من يحيي هذه وهي رميم ؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « يحييه اللّه ، ثم يميتك ، ثم يحييك ثم يدخلك النار » فأسر يوم بدر ، فلما افتدي قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : إنّ عندي فرسا أعلفها كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليه ، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « بل أنا أقتلك إن شاء اللّه تعالى » فلما كان يوم أحد أقبل أبيّ يركض على ذلك الفرس حتى دنا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فاعترض له رجال من المسلمين ليقتلوه ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « استأخروا » ورماه بحربة كسر ضلعا من أضلاعه ، فمات ببعض الطريق فنزلت ، والأصح الأوّل وإلا أدخل في أثناء القصة كلاما أجنبيا عنها ، وذلك لا يليق ، وقال الرازي : لا يبعد أن يدخل تحته سائر الوقائع ؛ لأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي :
وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ،
وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
بكسر النون مخففة ورفع الهاء من اسم اللّه فيهما والباقون بفتح النون مشدّدة ونصب الهاء وقوله تعالى :
وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً
معطوف على قوله تعالى :
وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
أي : ولينعم عليهم نعمة عظيمة بالنصر والغنيمة ، ثم ختم اللّه تعالى هذه الآية بقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ
لأقوالكم
عَلِيمٌ
بأحوال قلوبكم وهذا جرى مجرى التحذير والترهيب ؛ لئلا يغترّ العبد بظواهر الأمور ويعلم أنّ الخالق تعالى يطلع على ما في الضمائر والقلوب . وقوله تعالى :
ذلِكُمْ
إشارة إلى البلاء الحسن ، ومحله الرفع أي : الغرض ذلكم ، وقوله تعالى :
وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ
معطوف على
ذلِكُمْ
أي : المقصود إبلاء المؤمنين وتوهين كيد الكافرين وإبطال حيلهم . وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الواو وتشديد الهاء وتنوين النون ونصب الدال ، وقرأ حفص بسكون الواو وتخفيف الهاء وعدم تنوين النون وخفض الدال والباقون بسكون الواو وتخفيف الهاء مع تنوين النون ونصب الدال . وقوله تعالى :
إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ
أكثر المفسرين على أنه خطاب للكفار . روي أنّ أبا جهل لعنه اللّه قال يوم بدر : اللهمّ أينا كان أقطع للرحم وأفجر فأهلكه الغداة ، وقال السدي : إنّ المشركين لما أرادوا الخروج إلى بدر أخذوا بأستار الكعبة وقالوا : اللهمّ انصر أعلى الجندين وأهدى القبيلتين وأكرم الحزبين بأفضل الدين ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية أي : إن تستنصروا لأهدى القبلتين وتستقضوا ، فقد جاءكم النصر والقضاء بهلاك من هو كذلك ، وهو أبو جهل ، ومن قتل معه دون النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين . وقيل : خطاب للمؤمنين وذلك إنه صلّى اللّه عليه وسلّم لما رأى المشركين وكثرة عددهم وعددهم استغاث باللّه