تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 636

مساهمون:

ص٦٣٦
الثالث : أنّ قوله : أنا مؤمن إن شاء اللّه تعالى للتبرّك ، فهو كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « وإنا إن شاء اللّه بكم لاحقون » « 1 » مع العلم القطعيّ بأنه لاحق بأهل القبور . الرابع : أنّ المؤمن لا يكون مؤمنا حقا إلا إذا ختم له بالإيمان ، ومات عليه ، وهذا لا يحصل إلا عند الموت ، فلهذا السبب حسن أن يقول : أنا مؤمن إن شاء اللّه تعالى ، فالمراد صرف هذا الاستثناء إلى الخاتمة . الخامس : أنّ ذكر هذه الكلمة لا ينافي حصول الجزم والقطع ألا ترى أنه تعالى قال :
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ
[ الفتح ، 27 ] وهو تعالى منزه عن الشك والريب ، فثبت أنه تعالى إنما ذكر ذلك تعليما منه لعباده فالأولى ذكر هذه الكلمة الدالة على تفويض الأمور إلى اللّه تعالى حتى يحصل ببركة هذه الكلمة دوام الإيمان ، واستدلّ الثاني بوجهين : الأول : أنّ المتحرك يجوز أن يقول : أنا متحرّك ، ولا يجوز أن يقول أنا متحرّك إن شاء اللّه تعالى ، وكذا في القول في القائم والقاعد فكذا هنا . الثاني : أنه تعالى قال :
أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا
فقد حكم اللّه لهم بكونهم مؤمنين حقا ، فكان قوله : إن شاء اللّه يوجب الشك فيما قطع اللّه تعالى لهم به ، وذلك لا يجوز ، وأجاب الأوّل عن قولهم : المتحرّك لا يجوز أن يقول : أنا متحرك إن شاء اللّه تعالى بالفرق بين وصف الإنسان بكونه مؤمنا وبين وصفه بكونه متحركا إذ الإيمان يتوقف حاله على الخاتمة ، والحركة فعل للإنسان نفسي ، فحصل الفرق بينهما ، وعن قولهم : إنه تعالى قال :
أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا
فحكم لهم بكونهم مؤمنين حقا إذا أتوا بتلك الأوصاف الخمسة على الحقيقة ، ونحن لا نعلم ذلك ، فثبت حينئذ أنّ الصواب مع أصحاب القول الأوّل :
لَهُمْ
أي : للموصوفين بتلك الصفات
دَرَجاتٌ
أي : منازل في الجنة
عِنْدَ رَبِّهِمْ
بعضها أعلى من بعض ؛ لأنّ المؤمنين تتفاوت أحوالهم في الأخذ بتلك الأوصاف المذكورة ، فلهذا تتفاوت منازلهم في الجنة على قدر أعمالهم . قال عطاء : درجات الجنة يرتفعون فيها بأعمالهم ، وعن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أنه قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مائة عام » « 2 » ، وعن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « في الجنة مائة درجة لو أنّ العالمين اجتمعوا في إحداهنّ لوسعتهم » « 3 »
وَمَغْفِرَةٌ
أي : لما فرط منهم
وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
أعدّ لهم في الجنة لا ينقطع عدده ولا ينتهي أمده . فإن قيل : أليس المفضول إذا علم حصول الدرجات العالية للفاضل ، وحرمانه منها فإنه يتألم قلبه ويتنغص عيشه وذلك يحيل كون الثواب رزقا حسنا ؟ أجيب : بأنّ استغراق كل أحد في سعادته الحاضرة تمنعه من حصول النظر إلى غيره ، وبالجملة فأحوال الآخرة لا تناسب أحوال الدنيا إلا بالاسم . وقوله تعالى :
كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ
يقتضي تشبيه شيء بهذا الإخراج واختلفوا في تقدير ذلك ، فقال المبرد : تقديره الأنفال للّه والرسول وإن كرهوا كما أخرجك ربك من
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الجنائز حديث 103 ، 104 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في صفة الجنة حديث 2531 . ( 3 ) أخرجه الترمذي في صفة الجنة باب 4 .