تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 635

مساهمون:

ص٦٣٥
سهونا وغفلنا فذلك نقصانه ، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي : إنّ للإيمان فرائض وشرائط وحدودا وسننا فمن استكملها فقد استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان ، ثم وصف اللّه تعالى المؤمنين الكاملين بصفة أخرى ثالثة ، وهي الاتكال عليه بقوله تعالى :
وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
أي : يفوّضون جميع أمورهم إليه لا يرجون غيره ، ولا يخافون سواه ؛ لأنّ المؤمن إذا كان واثقا بوعد اللّه تعالى ووعيده كان من المتوكلين عليه لا على غيره ، وهذا الحال مرتبة عالية ودرجة شريفة ، وهي أنّ الإنسان بحيث يصير لا يبقى له اعتماد في أمر من الأمور إلا على اللّه تعالى ، وهذه الصفات الثلاث مرتبة على أحسن صفات الترتيب ، فإنّ المرتبة الأولى هي الوجل عند ذكر اللّه ، والمرتبة الثانية هي الانقياد لمقامات تكاليفه ، والمرتبة الأخيرة الانقطاع بالكلية عما سوى اللّه والاعتماد بالكلية على فضل اللّه بل الغنى بالكلية عما سوى اللّه ، ثم إنّ هذه المراتب الثلاث أحوال معتبرة في القلوب والبواطن ، ثم انتقل منها إلى رعاية أحوال الظاهر فقال :
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ
أي : الذين يؤدّونها بحقوقها
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ
أي : أعطيناهم
يُنْفِقُونَ
في طاعة اللّه ؛ لأنّ رأس الطاعات المعتبرة في الظاهر ورئيسها بذل النفس في الصلاة ، وبذل المال في مرضاة اللّه ، ويدخل في ذلك صلاة الفرض والنفل والزكاة والصدقات والإنفاق في الجهاد والإنفاق على المساجد والقناطر ، ثم قال تعالى :
أُولئِكَ
أي : الموصوفون بهذه الصفات الخمسة
هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا
لأنهم حققوا إيمانهم بأن ضموا إليه مكارم أعمال القلوب من الخشية والإخلاص والتوكل ومحاسن أفعال الجوارح التي المعيار عليها ، وهي الصلاة والصدقة و
حَقًّا
مصدر مؤكد للجملة التي هي
أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ
كقوله : هو عبد اللّه حقا ، أي : أحق ذلك حقا . تنبيه : اختلف العلماء في أنه هل للشخص أن يقول : أنا مؤمن حقا ، أو لا ؟ فقال أصحاب الشافعي رضي اللّه تعالى عنه : الأولى أن يقول الرجل : أنا مؤمن إن شاء اللّه تعالى ، ولا يقول : أنا مؤمن حقا ، وقال أصحاب أبي حنيفة رضي اللّه تعالى عنه : الأولى أن يقول : أنا مؤمن حقا ، ولا يجوز أن يقول : إن شاء اللّه تعالى ، واستدل للأوّل بوجوه : الأوّل : أن قوله : أنا مؤمن إن شاء اللّه تعالى ليس على سبيل الشك ، ولكن الشخص إذا قال : أنا مؤمن فقد مدح نفسه بأعظم المدائح فربما حصل له بذلك عجب ، فإذا قال : إن شاء اللّه تعالى زال ذلك العجب ، وحصل الانكسار له . الثاني : إنّ اللّه تعالى ذكر في أوّل الآية ما يدل على الحصر وهو قوله تعالى :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ
هم كذا وكذا وكلمة إنما تفيد الحصر ، وذكر في آخر الآية قوله تعالى :
أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا
وهذا أيضا يفيد الحصر ، فلما دلت هذه الآية على هذا المعنى ، ثم إنّ الإنسان لا يمكنه القطع على نفسه بحصول هذه الصفات الخمس ، فكان الأولى له أن يقول : إن شاء اللّه تعالى ، وعن الحسن أنّ رجلا سأله : أمؤمن أنت ؟ فقال : الإيمان إيمانان ، فإن كنت تسألني عن الإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والحساب ، فأنا مؤمن بها ، وإن كنت تسألني عن قوله تعالى :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ
الآية فلا أدري أنا منهم أم لا ؟ وقال سفيان الثورّي : من زعم أنه مؤمن حقا عند اللّه ، ثم لم يشهد أنه من أهل الجنة فقد آمن بنصف الآية ، وهذا إلزام منه أي : كما لا نقطع أنه من أهل الجنة قطعا ، فلا نقطع أنه مؤمن حقا .