يستطيعون أن يردوا عليّ شيئا » « 1 » .
وروي أنه قيل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين فرغ من بدر : عليك بالعير ليس دونها شيء ، فناداه العباس وهو في وثاقه أي : قيده وكان العباس حينئذ مأسورا مقيدا لا يصلح ، فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لم ؟ قال :
لأنّ اللّه وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك ما وعدك فكانت الكراهة من بعضهم لقوله تعالى :
وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ .
يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ
أي : القتال
بَعْدَ ما تَبَيَّنَ
إنك لا تصنع شيئا إلا بأمر ربك
كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ
إليه أي : يكرهون القتال كراهة من يساق إلى الموت وهو يشاهد أسبابه وذلك أنّ المؤمنين لما أيقنوا بالقتال كرهوا ذلك ، وقالوا : لم يعلمنا أنا نلقى العدوّ فنستعد للقائهم ، وإنما خرجنا لطلب العير ، إذ روي أنهم كانوا رجالة وما كان فيهم إلا فارسان ، وفيه إيماء إلى أنّ مجادلتهم كانت لفرط فزعهم ورعبهم .
وَإِذْ
أي : واذكر إذ
يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ
أي : العير أو النفير ، وإحدى ثاني مفعولي « يعدكم » وقد أبدل منها
أَنَّها لَكُمْ
بدل اشتمال
وَتَوَدُّونَ
أي : تريدون
أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ
أي : القوة والشدة والسلاح وهي العير
تَكُونُ لَكُمْ
لقلة عددها وعددها إذ لم يكن فيها إلا أربعون فارسا بخلاف النفير لكثرة عددهم وعددهم .
وقرأ أبو عمرو بادغام التاء في التاء بخلاف عنه
وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ
أي : يظهره
بِكَلِماتِهِ
أي : بآياته المنزلة في محاربة ذات الشوكة وبما أمر الملائكة من نزولهم للنصرة ، وبما قضى من أسرهم وقتلهم وطرحهم في قليب بدر
وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ
أي : يستأصلهم ، والمعنى أنكم تريدون أن تصيبوا مالا ، ولا تلقوا مكروها واللّه يريد إعلاء الدين وإظهار الحق ، وما يحصل لكم من فوز الدارين
لِيُحِقَّ الْحَقَّ
أي : يثبت الإسلام
وَيُبْطِلَ الْباطِلَ
أي : يمحق الكفر
وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ
أي : المشركون ذلك .
فإن قيل : قوله تعالى :
لِيُحِقَّ الْحَقَّ
بعد قوله :
أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ
يشبه التكرار أجيب : بأنّ المعنيين متباينان وذلك أنّ الأوّل لبيان المراد وما بينه وبين مرادهم من التفاوت ، والثاني لبيان الداعي إلى حمل الرسول على اختيار ذات الشوكة على غيرها ونصره عليها .
إِذْ
أي : واذكر إذ
تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ
واستغاثتهم أنهم لما عملوا أن لا محيص عن القتال أخذوا يقولون ربنا انصرنا على عدوّك أغثنا يا غياث المستغيثين .
وعن عمر رضي اللّه عنه أنه عليه الصلاة والسّلام نظر إلى المشركين وهم ألف وإلى أصحابه وهم ثلاثمئة أي وبضعة عشر ، فاستقبل القبلة ومد يديه يدعو اللّهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض ، فما زال كذلك حتى سقط رداؤه ، وأخذه أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه ، فألقاه على منكبه والتزمه من ورائه ، وقال : يا نبيّ اللّه كفاك مناشدتك ربك ، فإنه سينجز لك ما وعدك .
وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار ذال إذ عند التاء ، والباقون بالإدغام ،
فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي
أي : بأني فحذف الجارّ وسلط عليه استجاب فنصب محله
مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الجنة حديث 2873 ، والنسائي في الجنائز حديث 2074 .