تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 619

مساهمون:

ص٦١٩
يُلْحِدُونَ
أي : يميلون عن الحق
فِي أَسْمائِهِ
أي : حيث اشتقوا منها أسماء لآلهتهم كاللات من اللّه والعزى من العزيز ، ومنات من المنان ، وقال أهل المعاني : الإلحاد في أسمائه تعالى هو أن تسميه بما لم يسم اللّه به نفسه ، ولم يرد فيه نص من كتاب ولا سنة ؛ لأن أسماءه تعالى كلها توقيفية فيجوز أن يقال : يا جواد ، ولا يجوز أن يقال : يا سخي ، ويجوز أن يقال : يا عالم ، ولا يجوز أن يقال : يا عاقل ، ويجوز أن يقال : يا حكيم ، ولا يجوز أن يقال : يا طبيب
سَيُجْزَوْنَ
أي : في الدنيا والآخرة
ما كانُوا يَعْمَلُونَ
في هذا وعيد شديد لمن ألحد في أسمائه تعالى وهذا قبل الأمر بالقتال ، وقرأ حمزة : « يلحدون » بفتح الياء والحاء من لحد ، والباقون بضم الياء وكسر الحاء من ألحد . ولما ذكر سبحانه وتعالى أنه خلق للنار طائفة ضالين مضلين ملحدين عن الحق ذكر أنه خلق للجنة أمة هادين في الحق عادلين في الأمر بقوله تعالى :
وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ
أي : جماعة
يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ
أي : بالحق خاصة
يَعْدِلُونَ
أي : يجعلون الأمور متعادلة لا زيادة في شيء منها على ما ينبغي ولا نقص ؛ لأنا وفقناهم فكشفنا عن أبصارهم حجاب الغفلة التي ألزمناها أولئك ، واستدل بذلك على صحة الإجماع ؛ لأنّ المراد منه أنّ في كلّ قرن طائفة بهذه الصفة ، وأكثر المفسرين أنهم أمّة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تزال من أمتي طائفة على الحق إلى أن يأتي أمر اللّه » « 1 » رواه الشيخان ، وعن معاوية رضي اللّه تعالى عنه قال وهو يخطب : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « لا تزال من أمّتي أمّة قائمة بأمر اللّه لا يضرّهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر اللّه وهم على ذلك » « 2 » إذ لو اختص بعهد الرسول أو غيره لم يكن لذكره فائدة فإنه معلوم ، وعن الكلبيّ هم الذين آمنوا من أهل الكتاب ، وقيل : هم العلماء والدعاة إلى الدين .
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا
أي : القرآن أو غيره من أهل مكة أو غيرهم
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ
أي : سنستدنيهم إلى الهلاك قليلا قليلا ، وأصل الاستدراج الاستبعاد والاستنزال درجة بعد درجة
مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ
أي : سنأخذهم قليلا قليلا من حيث لا يحتسبون ، وذلك أنّ اللّه تعالى يفتح عليهم من النعم ما يغبطون به ويركنون إليه ، ثم يأخذهم على غرّة أغفل ما يكونون . وقيل : سنقرّبهم إلى ما يهلكهم ونضاعف عقابهم من حيث لا يعلمون ما يراد بهم ؛ لأنهم كانوا إذا أتوا بذنب فتح اللّه تعالى عليهم من أبواب الخير والنعمة في الدنيا ، فيزدادوا بذلك تماديا في الغيّ والضلالة ويتدرجوا في الذنوب والمعاصي بسبب ترادف النعم يظنون أن تواتر النعم يقرب من اللّه تعالى ، وإنما هي خذلان منه وتبعيد ، فهو استدراج اللّه تعالى فيأخذهم اللّه تعالى أخذة واحدة أغفل ما يكونون عليه ، وعن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لما حمل إليه كنوز كسرى قال : اللهمّ إني أعوذ بك أن أكون مستدرجا فإني سمعتك تقول :
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ .
وَأُمْلِي لَهُمْ
أي : أمهلهم وأطيل مدّة أعمارهم ليتمادوا في الكفر والمعاصي ولا أعاجلهم بالعقوبة ولا أفتح لهم باب التوبة
إِنَّ كَيْدِي
أي : أخذي
مَتِينٌ
أي : شديد وإنما سماه كيدا ؛ لأنّ ظاهره إحسان وباطنه خذلان .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في التوحيد حديث 7460 ، ومسلم في الإمارة حديث 1920 ، والترمذي في الفتن حديث 2229 ، وابن ماجة في المقدمة حديث 10 . ( 2 ) انظر الحاشية السابقة .