تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 617

مساهمون:

ص٦١٧
أموالنا لذوي الميراث نجمعها * ودورنا لخراب الدهر نبنيها
وقال آخر « 1 » :
له ملك ينادي كل يوم * لدوا للموت وابنوا للخراب
وقال آخر « 2 » :
وأمّ شمال فلا تجزعي * فللموت ما تلد الوالدات
وهذا مردود ؛ لأنّ المصير إلى التأويل إنما يحسن إذا ثبت الدليل العقلي على امتناع حمل اللفظ على ظاهره ، فإذا لم يثبت كان المصير إلى التأويل في هذا المقام عبثا ، فالحق مذهب أهل الحق جعلنا اللّه تعالى وأهل مودّتنا منهم بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وآله ، ثم وصف اللّه تعالى هؤلاء الذين أضلهم بقوله تعالى :
لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها
أي : لا يبصرون بها طريق الحق والهدى
وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها
أي : الآيات والمواعظ سماع تأمّل وتذكر ، وقال أهل المعاني : إنّ الكفار لهم قلوب يفقهون بها مصالحهم المتعلقة بالدنيا ، ولهم أعين يبصرون بها المرئيات ، وآذان يسمعون بها الكلمات ، وهذا لا شك فيه ، ولما وصفهم اللّه تعالى بأنهم لا يفقهون ولا يبصرون ولا يسمعون مع وجود هذه الحواس الدرّاكة علم أنّ المراد من ذلك يرجع إلى مصالح الدين ، وما فيه نفعهم في الآخرة ، والعرب تقول مثل ذلك لمن ترك استعمال بعض جوارحه فيما لا يصلح له ، ومنه قول الشاعر « 3 » :
وعوراء الكلام صممت عنها * وإني إن أشاء بها سميع
فإنه أثبت له صمما مع وجود السمع ولما سلب عنهم هذه المعاني كانت النتيجة
أُولئِكَ
أي : البعداء من المعاني الإنسانية
كَالْأَنْعامِ
في أنها لا تفهم ولا تعقل ذلك ؛ لأنّ الإنسان وسائر الحيوانات مشتركة في هذه الحواس الثلاث التي هي القلب والبصر والسمع ، وإنما فضل الإنسان على سائر الحيوانات بالعقل والإدراك والفهم المؤدّي إلى معرفة الحق من الباطل والخير من الشرّ ، فإذا كان الكافر لا يعرف ذلك ولا يدركه كان لا فرق بينه وبين البهائم التي لا تدرك شيئا ، ولما كانوا قد زادوا على ذلك بفقد نفع هذه الحواس قال تعالى :
بَلْ هُمْ أَضَلُّ
سبيلا من الأنعام ؛ لأنّ الأنعام تعرف ما يضرّها وما ينفعها ، فإذا رأت نارا مثلا لا تقع فيها ، وإذا رأت كلأ مثلا دخلت فيه ، والكافر لا يعرف ذلك ؛ ولأنّ الحيوان لا قدرة له على تحصيل هذه الفضائل ؛ والإنسان أعطي القدرة على تحصيلها ، ومن أعرض عن اكتساب الفضائل العظيمة مع القدرة على تحصيلها كان أخس حالا ممن لم يكتسبها مع العجز عنها ؛ ولأنّ الأنعام مطيعة للّه تعالى ، والكافر غير مطيع ، ولأنّ الأنعام تعرف ربها وتذكره ، وهم لا يعرفون ربهم ولا يذكرونه ؛ ولأنها تضل إذا لم يكن معها مرشد ، فأما إذا كان معها مرشد فقل أن تضل ، وهؤلاء الكفار قد جاءهم الأنبياء وأنزل عليهم الكتب ، وهم يزدادون في الضلالة .
هامش
( 1 ) البيت من الوافر ، وهو للإمام علي في ديوانه ص 38 ، وخزانة الأدب 9 / 529 ، 530 ، وعجزه صدر بيت في ديوان أبي العتاهية ص 33 ، والعجز بلا نسبة في الحيوان 3 / 51 ، ( 2 ) البيت لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي . ( 3 ) البيت لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 617 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين