تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 616

مساهمون:

ص٦١٦
وَلَقَدْ ذَرَأْنا
أي : خلقنا
لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
أخبر اللّه تعالى أنه خلق كثيرا من الجنّ والإنس للنار ، وهم الذين حقت عليهم الكلمة الأزلية بالشقاوة ، ومن خلقه اللّه تعالى للنار فلا حيلة له في الخلاص منها . روي عن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت : « دعي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى جنازة صبيّ من الأنصار فقلت : يا رسول اللّه طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ، ولم يدركه ، فقال : أو غير ذلك يا عائشة إنّ اللّه خلق الجنة ، وخلق لها أهلا ، وهم في أصلاب آبائهم ، وخلق النار وخلق لها أهلا ، وهم في أصلاب آبائهم » « 1 » أخرجه مسلم . قال النووي في « شرح مسلم » : أجمع من يعتد به من علماء المسلمين أنّ من مات من أطفال المسلمين فهو في الجنة ؛ لأنه ليس مكلفا ، وتوقف فيه من لا يعتد به لهذا الحديث ، وأجاب العلماء عنه بأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لعله نهانا عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون عنها دليل قاطع كما أنكر على سعد بن أبي وقاص قوله : أعطه فإني لأراه مؤمنا ، فقال : أو مسلما ، قال بعضهم : ويحتمل أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قاله قبل أن يعلم أنّ أطفال المسلمين في الجنة ، فلما علم ذلك أخبر به ، قال : وأما أطفال المشركين ، ففيهم ثلاثة مذاهب ، قال الأكثرون : هم في النار تبعا لآبائهم ، وتوقف طائفة منهم ، والثالث وهو الصحيح الذي ذهب إليه المحققون : أنهم من أهل الجنة ، واستدلوا بأشياء منها حديث « إبراهيم الخليل عليه السّلام حين رآه النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في الجنة ، وحوله أولاد الناس ، قالوا : يا رسول اللّه وأولاد المشركين ، قال : وأولاد المشركين » « 2 » رواه البخاري في صحيحه ومنها قوله تعالى :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
[ الإسراء ، 15 ] ولا يتوجه على المولود التكليف ، ولا يلزمه قبول قول المرسل حتى يبلغ ، وهذا متفق عليه . وفي الآية دليل وحجة واضحة لمذهب أهل السنة في أن اللّه تعالى خالق أفعال العباد جميعها خيرها وشرّها ؛ لأنه تعالى بين باللفظ الصريح أنه خلق كثيرا من الجنّ والإنس للنار ، ولا مزيد على بيان اللّه تعالى ؛ ولأن العاقل لا يختار لنفسه دخول النار ، فلما عمل بما يوجب عليه دخول النار به علم أنّ له من يضطرّه إلى ذلك العمل الموجب لدخول النار وهو اللّه تعالى . وقالت المعتزلة : إن اللام في قوله :
لِجَهَنَّمَ ،
لام العاقبة ، واستدلوا لذلك بآيات وأشعار ، فمن الآيات قوله تعالى :
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
[ القصص ، 8 ] وهم ما التقطوه لهذا الغرض ، ومنها قول موسى :
رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ
« 3 » [ يونس ، 88 ] ومن الأشعار قول بعضهم :
وللموت تغذو الوالدات سخالها * كما لخراب الدهر تبنى المساكن
وقال آخر « 4 » :
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في القدر حديث 2662 ، والنسائي في الجنائز حديث 1947 ، وابن ماجة في المقدمة حديث 82 . ( 2 ) أخرجه البخاري في التعبير حديث 7047 . ( 3 ) البيت من الطويل ، وهو لسابق البربري في خزانة الأدب 9 / 529 ، 532 ، والعقد الفريد 2 / 69 ، وبلا نسبة في الدرر 4 / 168 ، ومغني اللبيب 1 / 214 ، ولسان العرب ( لوم ) . ( 4 ) البيت من البسيط ، وهو لسابق البربري في اللامات ص 120 ، وبلا نسبة في لسان العرب ( لوم ) .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 616 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين