تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 506

مساهمون:

ص٥٠٦
بالعذاب أو الضرب يضربون وجوههم وأدبارهم يقولون لهم تعنيفا :
أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ
إلينا لنقبضها . فإن قيل : إنه لا قدرة لأحد على إخراج روحه من بدنه فما فائدة هذا ؟ أجيب : بأنهم يقولون لهم : أخرجوها كرها لأن المؤمن يحب لقاء اللّه بخلاف الكافر ، وقيل : يقولون لهم : خلصوا أنفسكم من هذا العذاب إن قدرتم على ذلك فيكون هذا القول توبيخا لهم لأنهم لا يقدرون على خلاص أنفسهم من العذاب في ذلك الوقت
الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ
أي : الهوان
بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ
أي : كادعاء الولد والشريك له تعالى ودعوى النبوّة والإيحاء كذبا
وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ
أي : تتكبرون عن الإيمان بها وجواب لو محذوف تقديره لرأيت أمرا فظيعا .
وَ
يقال لهم إذا بعثوا للحساب والجزاء
لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى
أي : منفردين عن الأهل والمال والولد وسائر ما آثرتموه من الدنيا أو عن الأعوان والأوثان التي زعمتم أنها شفعاؤكم وهو جمع فرد والألف للتأنيث ككسالى وفي هذا تقريع وتوبيخ لهم لأنهم صرفوا هممهم في الدنيا إلى تحصيل المال والولد والجاه وأفنوا أعمارهم في عبادة الأصنام فلم يغن عنهم ذلك شيئا يوم القيامة فبقوا فرادى عن كل ما حصلوه في الدنيا
كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
أي : حفاة عراة ، غرلا ، روي عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها أنها قرأت هذه الآية فقالت يا رسول اللّه وا سوأتاه إنّ الرجال والنساء يحشرون جميعا ينظر بعضهم إلى سوأة بعض فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لكلّ امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال » « 1 » وروي عنها أنها سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « يحشر الناس حفاة عراة غرلا » أي : غير مختونين ، وفي رواية زيادة على ذلك بهما ، قال الجوهري وغيره : أي : ليس معهم شيء ، قالت عائشة رضي اللّه عنها : فقلت : الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « الأمر أشدّ أن يهمهم ذلك » « 2 »
وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ
أي : ما تفضلنا به عليكم في الدنيا فشغلتم به عن الآخرة
وَراءَ ظُهُورِكُمْ
أي : في الدنيا فما أغنى عنكم ما كنتم منه تستكثرون
وَ
يقال لهم توبيخا
ما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ
أي : الأصنام
الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ
أي : في استحقاق عبادتكم
شُرَكاءُ
أي : للّه وقوله تعالى :
لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ
قرأه نافع وحفص والكسائيّ بنصب النون أي : لقد تقطع ما بينكم من الوصل ، والباقون بالرفع أي : لقد تقطع وصلكم والبين من الأضداد يستعمل للوصل والفصل
وَضَلَّ
أي : ذهب
عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
أي : من أنها شفعاؤكم أو أن لا بعث ولا جزاء .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 95 إلى 110 ]

إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ( 95 ) فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 96 ) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 97 ) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ( 98 ) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 99 ) وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ ( 100 ) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 101 ) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ( 102 ) لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 103 ) قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ( 104 ) وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 105 ) اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( 106 ) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ( 107 ) وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 108 ) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ( 109 ) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 110 )
هامش
( 1 ) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 10 / 332 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 38951 ، 38952 ، والطبري في تفسيره 7 / 184 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الرقاق حديث 6527 ، ومسلم في الجنة حديث 2859 .