تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 505

مساهمون:

ص٥٠٥
وَمَنْ
أي : لا أحد
أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى
أي : اختلق
عَلَى اللَّهِ كَذِباً
فزعم أنّ اللّه بعثه نبيا كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي ، أو اختلق عليه أحكاما كعمرو بن لحيّ ومتابعيه
أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ
قال قتادة : نزلت في مسيلمة الكذاب من بني حنيفة وكان يسجع ويتكهن فادّعى النبوّة وزعم أنّ اللّه تعالى أوحى إليه وكان قد أرسل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رسولين فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أتشهدان أن مسيلمة نبيّ » قالا : نعم ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لولا أنّ الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما » « 1 » وعن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « بينا أنا نائم إذ أوتيت خزائن الأرض فوضع في يديّ سواران من ذهب فكبرا عليّ وأهماني فأوحى اللّه تعالى إلي أن انفحهما فنفحتهما فطارا فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما صاحب صنعاء وصاحب اليمامة مسيلمة الكذاب » « 2 » وفي لفظ الترمذي قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « رأيت في المنام كأن في يدي سوارين فأولتهما كذابين يخرجان بعدي يقال لأحدهما مسيلمة صاحب اليمامة والعنسي صاحب صنعاء » « 3 » وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « فأوحى اللّه إلي أن انفحهما » بالحاء المهملة ومعناه الرمي والدفع من نفحت الدابة برجلها ويروى بالخاء المعجمة من النفخ وهو قريب من الأوّل فأمّا مسيلمة الكذاب فإنه ادعى النبوّة في اليمامة وتبعه قوم من بني حنيفة وقتل في خلافة أبي بكر قتله وحشيّ قاتل حمزة رضي اللّه تعالى عنهما وكان يقول : قتلت خير الناس يعني : حمزة ، وقتلت شرّ الناس يعني : مسيلمة الكذاب ، قتل الأوّل وهو كافر وقتل الثاني وهو مسلم ، وأمّا الأسود العنسي بالنون ويقال له : ذو الحمار ، ادعى النبوّة باليمن في آخر عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقتل في حياته صلّى اللّه عليه وسلّم قبل موته بيومين وأخبر صلّى اللّه عليه وسلّم أصحابه بقتله ، قتله فيروز الديلميّ فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « فاز فيروز بقتل الأسود العنسي » « 4 »
وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ
قال السدّي : نزلت في عبد اللّه بن أبي سرح وكان قد أسلم وكان يكتب للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فكان إذا أملى عليه صلّى اللّه عليه وسلّم سميعا بصيرا كتب عليما حكيما وإذا أملى عليه عليما حكيما كتب غفورا رحيما فلما نزلت
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ
[ المؤمنين ، 12 ] أملاها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فعجب عبد اللّه من تفصيل خلق الإنسان فقال : تبارك اللّه أحسن الخالقين فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « اكتبها هكذا نزلت » « 5 » فشك عبد اللّه بن أبي سرح وقال لئن كان محمد صادقا فقد أوحي إليّ مثل ما أوحي إليه فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين ثم رجع بعد ذلك إلى الإسلام فأسلم قبل فتح مكة حين نزول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بمرّ الظهران وقال ابن عباس : ( ومن قال : سأنزل مثل ما أنزل اللّه ) يريد المستهزئين وهو جواب لقولهم : لو نشاء لقلنا مثل هذا ، قال العلماء : وقد دخل في حكم هذه الآية كل من افترى على اللّه كذبا في ذلك الزمان وبعده لأنّ خصوص السبب لا يمنع عموم الحكم .
وَلَوْ تَرى
يا محمد
إِذِ الظَّالِمُونَ
حذف مفعوله لدلالة الظرف عليه ، أي : ولو ترى الظالمين المذكورين
فِي غَمَراتِ
أي : شدائد
الْمَوْتِ
من غمره الماء إذا غشيه فاستعير للشدة الغالبة
وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ
أي : لقبض أرواحهم كالمتقاضي الملازم لغريمه لا يفارقه ، أو
هامش
( 1 ) تقدم الحديث مع تخريجه . ( 2 ) أخرجه البخاري في المغازي حديث 4375 ، ومسلم في الرؤيا حديث 2273 . ( 3 ) أخرجه الترمذي في الرؤيا حديث 2292 . ( 4 ) تقدم الحديث مع تخريجه . ( 5 ) أخرجه ابن حجر في الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف 62 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 68 .