تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 483

مساهمون:

ص٤٨٣
اللّه تبارك وتعالى ، وقيل : لسرعة الحساب فيها لأنّ حساب الخلائق يوم القيامة يكون في ساعة واحدة وأقل من ذلك
قالُوا يا حَسْرَتَنا
أي : يا ندامتنا والحسرة التلهف على الشيء الفائت وشدّة التألم ونداؤها مجاز أي : هذا أوانك فاحضري
عَلى ما فَرَّطْنا
أي : قصرنا
فِيها
أي : الحياة الدنيا جيء بضميرها وإن لم يجر لها ذكر لكونها معلومة لأنها موضع التفريط في الأعمال الصالحة ويجوز أن يكون للساعة على معنى قصرنا في شأنها والإيمان بها كما تقول : فرّطت في فلان ومنه فرّطت في جنب اللّه وقوله تعالى :
وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ
أي : أثقالهم وآثامهم
عَلى ظُهُورِهِمْ
تمثيل لاستحقاقهم آصار الآثام ، وقال السديّ وغيره : إنّ المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيبه ريحا فيقول : هل تعرفني ؟ فيقول : لا ، فيقول : أنا عملك الصالح فاركبني فقد طال ما ركبتك في الدنيا فذلك قوله تعالى :
يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً
[ مريم ، 85 ] أي : ركبانا ، وأمّا الكافر فيستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحا فيقول : هل تعرفني ؟ فيقول : لا ، فيقول : أنا عملك الخبيث طال ما ركبتني في الدنيا واليوم أركبك فهو معنى قوله تعالى :
وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ
أَلا ساءَ
أي : بئس
ما يَزِرُونَ
أي : ما يحملون حملهم ذلك ، وقوله تعالى :
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ
جواب لقولهم :
إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا
أي : وما أعمالها إلا لعب ولهو يلهي الناس ويشغلهم عما يعقب منفعة دائمة ولذة حقيقية وقيل : معناه أن أمر الدنيا والعمل فيها لعب ولهو فأمّا فعل الخير والعمل الصالح فهو من فعل الآخرة
وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ
أي : الجنة ، واللام فيه لام القسم
خَيْرٌ
أي : من الدنيا وأفضل لأنّ الدنيا سريعة الزوال والانقطاع
لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ
أي : الشرك ، وقيل : اللهو واللعب
أَ فَلا يَعْقِلُونَ
أي : إنّ الآخرة خير من الدنيا فيعملوا لها ، وقرأ ابن عامر : ولدار ، بتخفيف الدال وجرّ التاء من الآخرة ، والباقون : وللدار ، بتشديد الدال ورفع التاء ، وقرأ نافع وابن عامر وحفص : تعقلون ، على الخطاب ، والباقون بالياء على الغيبة .
قَدْ
للتحقيق
نَعْلَمُ إِنَّهُ
أي : الشأن
لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ
من التكذيب ، وقرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي والباقون بفتح الياء وضم الزاي
فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ
أي : بقلوبهم ولكن يجحدون بألسنتهم أو إنهم لا يكذبونك لأنك عندهم الصادق الموسوم بالصدق
وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
أي : يكذبون ، وعن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يسمى الأمين فعرفوا أنه لا يكذب في شيء ولكنهم كانوا يجحدون ، قال السدي : التقى الأخنس بن شريق وأبو جهل بن هشام فقال الأخنس لأبي جهل : يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب فإنه ليس ههنا أحد يسمع كلامك غيري ؟ فقال أبو جهل : واللّه إن محمدا لصادق ما كذب محمد قط ولكن إذا ذهب بنو قصيّ باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوّة فما ذا يكون لسائر قريش ؟ فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ، وعن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه : « أن أبا جهل قال للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : إنا لا نكذبك ولكنا نكذب الذي جئت به فأنزلت » « 1 » ووضع ( الظالمين ) موضع الضمير للدلالة على أنهم ظلموا في جحودهم والباء لتضمن الجحود معنى التكذيب ، وقرأ نافع والكسائي : يكذبونك ، بسكون الكاف وتخفيف الذال من أكذبه إذا وجده كاذبا أو نسبه للكذب ، والباقون بفتح
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في التفسير حديث 3064 .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 483 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين