تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 480

مساهمون:

ص٤٨٠
الجواب لأنه تعالى إذا كان هو الشهيد كان أكبر شيء شهادة
وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ
يا أهل مكة
بِهِ
أي : القرآن واكتفى بذكر الإنذار عن ذكر البشارة وقوله تعالى :
وَمَنْ بَلَغَ
عطف على ضمير المخاطبين أي : لأنذركم به يا أهل مكة ومن بلغه من الإنس والجنّ إلى يوم القيامة وهو دليل على أنّ أحكام القرآن تعمّ الموجودين وقت نزوله ومن بعدهم وأنه لا يؤاخذ بها من لم يبلغه قال محمد بن كعب القرطبيّ : من بلغه القرآن فكأنما رأى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقال أنس بن مالك : لما نزلت هذه الآية كتب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى كسرى وقيصر وكل جبار يدعوهم إلى اللّه تعالى . وروي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوّأ مقعده من النار » « 1 » . وفي رواية « نضر اللّه عبدا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأدّاها فربّ مبلغ أوعى من سامع » « 2 » . وفي رواية « فربّ حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه » « 3 » وقال مقاتل : من بلغه القرآن من الجنّ والإنس فهو نذير له وقوله تعالى :
أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى
استفهام إنكاري قل : يا محمد لهؤلاء المشركين الذين جحدوا نبوّتك واتخذوا آلهة غيري إنكم أيها المشركون لتشهدون أنّ مع اللّه آلهة أخرى وهي الأصنام التي كانوا يعبدونها
قُلْ
لهم
لا أَشْهَدُ
بما تشهدون به أنّ مع اللّه آلهة أخرى بل أجد ذلك وأنكره
قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ
لا شريك له وبذلك أشهد
وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
معه من الأصنام ، وفي الآية دليل على إثبات التوحيد ونفي الشريك لأنّ كلمة إنما تفيد الحصر فثبت بذلك إيجاب التوحيد والتبري من كل معبود سوى اللّه تعالى .
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ
أي : التوراة والإنجيل وهم علماء اليهود والنصارى
يَعْرِفُونَهُ
أي : محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بنعته وصفته
كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ
من بين الصبيان . روي أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لما قدم المدينة وأسلم عبد اللّه بن سلام قال عمر رضي اللّه تعالى عنه : إنّ اللّه تعالى أنزل على نبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بمكة هذه الآية فكيف هذا ؟ فقال عبد اللّه بن سلام : قد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني ولأنا أشدّ معرفة بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم من ابني فقال له عمر : كيف ذلك ؟ فقال : أشهد أنه رسول اللّه حقا ولا أدري ما تصنع النساء
الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
من أهل الكتاب والمشركين
فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
به لما سبق لهم من الفضاء بالشقاء .
وَمَنْ
أي : لا أحد
أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً
كقولهم : الملائكة بنات اللّه واتخذ اللّه ولدا
أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ
الآتي بها الرسل كالقرآن وغيره من المعجزات
إِنَّهُ
أي : الشأن
لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
أي : لا ينجح القائلون على اللّه الكذب والمفترون عليه الباطل .
وَ
اذكر
يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً
أي : أهل الكتاب والمشركين وغيرهم ومعبوداتهم وهو يوم القيامة
ثُمَّ نَقُولُ
توبيخا
لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا
أي : سموا شيئا من دوننا إلها وعبدوه من الأصنام أو عزيرا أو المسيح أو الظلمة أو النور أو غير ذلك
أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ
أي : آلهتكم التي جعلتموها
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء حديث 3461 ، والترمذي في العلم حديث 2669 ، والدارمي في المقدمة حديث 542 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في العلم حديث 3660 ، والترمذي في العلم حديث 2658 ، وابن ماجة في المقدمة حديث 236 . ( 3 ) أخرجه أحمد في المسند 5 / 183 ، وانظر الحاشية السابقة .