تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩
عرفت أنّا أحبار اليهود وأنّا إن اتبعناك اتبعنا اليهود كلهم وأنّ بيننا وبين قومنا خصومة فنتحاكم فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك ، فأبى ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فنزلت
فَإِنْ تَوَلَّوْا
أي : عن الحكم المنزل وأرادوا غيره
فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ
أي : بالعقوبة في الدنيا
بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ
أي : التي أتوها ومنها التولي ويجازيهم على جميعها في الآخرة
وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ
أي : هم وغيرهم
لَفاسِقُونَ
أي : خارجون عن دائرة الطاعات ومعادن السعادات .
أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ
أي : خاصة مع أنّ أحكامها لا يرضى بها عاقل لكونها لم يدع إليها كتاب بل هي مجرّد أهواء وهم أهل الكتاب
يَبْغُونَ
أي : يريدون بإعراضهم عن حكمك مع ما دعا إليه كتابهم من اتباعك وشهد كتابك المعجز عن معارضته من وجوب رسالتك إلى جميع الخلائق وهذا استفهام إنكاري ، وقرأ ابن عامر بالتاء على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب وهو أدلّ على الغضب ، والباقون بالياء على الغيبة . وقيل : نزلت في بني قريظة والنضير طلبوا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يحكم بما كان يحكم به الجاهلية من التفاضل بين القتلى أي : بين ديّات بعضهم على بعض
وَمَنْ
أي : لا أحد
أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ
أي : عند قوم
يُوقِنُونَ
به خصّوا بالذكر ؛ لأنهم الذين يتدبرون الأمور ويتخيلون الأشياء بأنظارهم فيعلمون أن لا أحسن حكما من اللّه جلا وعلا .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ
أي : توالونهم وتوادّونهم وتعاشرونهم معاشرة الأحباب وقوله تعالى :
بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ
فيه إيماء إلى علة النهي أي : فإنهم متفقون على خلافكم يوالي بعضهم بعضا لاتحادهم في الدين وإجماعهم على مضارتكم
وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ
أي : ومن والاهم منكم
فَإِنَّهُ مِنْهُمْ
أي : من جملتهم وهذا تشديد في وجوب مجانبتهم أو لأنّ الموالين كانوا منافقين
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
أي : الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفار ، ومن لم يرد اللّه هدايته لم يقدر أحد أن يهديه . تنبيه : اختلف في سبب نزول هذه الآية فقال قوم : نزلت في عبادة بن الصامت وعبد اللّه بن أبيّ ابن سلول المنافق وذلك أنهما اختصما فقال عبادة : إنّ لي أولياء من اليهود كثيرا عددهم شديدة شوكتهم وإني أبرأ إلى اللّه وإلى رسوله من موالاتهم ولا مولى لي إلا اللّه ورسوله فقال عبد اللّه : لكني لا أبرأ من ولاية اليهود لأني أخاف الدوائر ولا بد لي منهم فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ، وقال السدي : لما كانت وقعة أحد اشتدّت على طائفة من الناس وتخوّفوا أن تدال عليهم الكفار فقال رجل من المسلمين : أنا ألحق بفلان اليهودي آخذ منه أمانا إني أخاف أن تدال علينا اليهود وقال الآخر : أمّا أنا فألحق بفلان النصراني من أهل الشأم وآخذ منه أمانا فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ، وقال عكرمة : نزلت في أبي لبابة بن المنذر بعثه النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إلى بني قريظة حين حاصرهم فاستشاروه في النزول وقالوا : ماذا يصنع بنا إذا نزلنا فجعل إصبعه على حلقه يعني أنه الذبح أي : يقتلكم فنزلت
فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
أي : ضعف اعتقاد كعبد اللّه بن أبيّ
يُسارِعُونَ فِيهِمْ
أي : في مولاتهم
يَقُولُونَ
معتذرين عنها
نَخْشى
أي : نخاف خوفا بالغا
أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ
أي : مصيبة تحيط بنا ويدور بها الدهر علينا من جدب أو غلبة ولا يتم أمر محمد فلا يميرونا
فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ
أي : بإظهار الدّين على الأعداء
أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ
أي : بهتك ستر المنافقين وافتضاحهم
فَيُصْبِحُوا
أي : هؤلاء المنافقون
عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ
أي : على ما استبطنوه من الكفر والشك في أمر الرسول فضلا عما أظهروه مما أشعر به نفاقهم
نادِمِينَ
أي :