تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 442

مساهمون:

ص٤٤٢
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
أي : عاطفين عليهم متذللين لهم جمع ذليل ، وأمّا ذلول فجمعه ذلل ومن زعم أنه من الذل الذي هو نقيض الصعوبة فقد غبي عنه لأن ذلولا لا يجمع على أذلة . فإن قيل : هلّا قال أذلة للمؤمنين ؟ أجيب : بأنه تضمن معنى الحنو والعطف كأنه قال : عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع وأنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم أو للمقابلة في قوله تعالى :
أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ
أي : شداد متغلبين عليهم من عزّه إذا غلبه ، وقوله تعالى :
يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
حال من الضمير في أعزة أو صفة أخرى لقوم ، وقوله تعالى :
وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ
يحتمل أن تكون الواو للحال على أنهم يجاهدون وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين فإنهم كانوا موالين لليهود فإذا خرجوا في جيش المؤمنين خافوا أولياءهم اليهود فلا يعملون شيئا مما يعلمون أنه يلحقهم فيه لوم من جهتهم ، وأمّا المؤمنون فكانوا يجاهدون لوجه اللّه لا يخافون لومة لائم قط ، وأن يكون للعطف على يجاهدون بمعنى : إنهم الجامعون بين المجاهدة في سبيل اللّه والتصلّب في دينه واللومة المرّة من اللوم وفيها وفي تنكير لائم مبالغتان
ذلِكَ
إشارة إلى الأوصاف المذكورة وقوله تعالى :
فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ
أي : يمنحه ويوفق له فيبذل الإنسان جهده في طاعته لينظر إليه هذا النظر برحمته
وَاللَّهُ واسِعٌ
أي : كثير الفضل
عَلِيمٌ
أي : بمن هو أهله . ونزل لما قال ابن سلام رضي اللّه تعالى عنه : يا رسول اللّه إنّ قومنا هجرونا :
إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا
وإنما قال : وليكم ولم يقل : أولياؤكم للتنبيه على أنّ الولاية للّه على الأصالة ، ولرسوله وللمؤمنين على التبع إذ التقدير : إنما وليكم اللّه وكذا رسوله والمؤمنون . ولو قيل : إنما أولياؤكم اللّه ورسوله والذين آمنوا لم يكن في الكلام أصل وتبع ثم وصف المؤمنين بقوله تعالى :
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ
أي : متخشعون في صلاتهم وزكاتهم وقيل : يصلون صلاة التطوع .
وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا
أي : ومن يتخذهم أولياء وقيل : من يعنهم وينصرهم
فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ
أي : فإنهم هم الغالبون ولكن وضع الظاهر موضع المضمر إظهارا لما شرفهم به ترغيبا لهم في ولايته وتشريفا لهم بهذا الاسم فكأنه قيل : ومن يتول هؤلاء فإنهم حزب اللّه وحزب اللّه هم الغالبون وتعريضا بمن يوالي هؤلاء بأنه حزب الشيطان وأصل الحزب القوم يجتمعون لأمر حزبهم . ونزل في رفاعة بن زيد وسويد بن حارث اللذين أظهرا الإسلام ثم نافقا وكان رجال من المسلمين يوادّونهما .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ
أي : الذي شرفكم اللّه به
هُزُواً
أي : مهزوا به
وَلَعِباً
ثم بين المنهي عن موالاتهم بقوله تعالى :
مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ
أي : اليهود . ولما خصص عمم بقوله :
وَالْكُفَّارَ
أي : من عبدة الأوثان وغيرهم
أَوْلِياءَ
أي : فإنّ الفريقين اجتمعوا على حسدكم وازدرائكم فلا تصح لكم موالاتهم ، وقرأ أبو عمرو والكسائي بخفض الراء والباقون بالنصب عطفا على الذين اتخذوا على أنّ النهي عن موالاة من ليس على الحق رأسا سواء من كان ذا دين تبع فيه الهوى وحرفه عن الصواب كأهل الكتاب ومن لم يكن كالمشركين
وَاتَّقُوا اللَّهَ
أي : بترك المناهي
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
أي : صادقين في إيمانكم فإنّ