تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 436

مساهمون:

ص٤٣٦
تحكيمهم من لا يؤمنون به والحال أنّ الحكم منصوص عليه في كتابهم الذي هو عندهم ، وتنبيه على أنهم ما قصدوا بالتحكيم معرفة الحق وإقامة الشرع وإنما طلبوا منه ما يكون أهون عليهم وإن لم يكن حكم اللّه تعالى في زعمهم
ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ
أي : يعرضون عن حكمك الموافق لكتابهم
مِنْ بَعْدِ ذلِكَ
التحكيم وهذا داخل في حكم التعجب فإنه معطوف على يحكمونك
وَما أُولئِكَ
أي : السعداء من اللّه
بِالْمُؤْمِنِينَ
أي : بكتابهم لإعراضهم عنه أوّلا أو بك وبه .
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً
يهدي من الضلالة إلى الحق
وَنُورٌ
يكشف ما اشتبه عليهم من الأحكام
يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ
أي : من بني إسرائيل وقوله تعالى :
الَّذِينَ أَسْلَمُوا
ذكر على وجه الصفة للأنبياء للتنويه بشأن الصفة دون التخصيص والتمييز ؛ لأنهم كلهم بهذه الصفة منقادون للّه تعالى وللتنبيه على عظم قدرها حيث وصف بها عظيم كما وصف الأنبياء بالصلاح والملائكة بالإيمان فإنّ أوصاف الأشراف أشراف الأوصاف وقوله تعالى :
لِلَّذِينَ هادُوا
متعلق بأنزل أو بيحكم أي : يحكمون بها في تحاكمهم وهو يدلّ على أنّ النبيين أنبياؤهم وقوله تعالى :
وَالرَّبَّانِيُّونَ
أي : الزهّاد الذين انسلخوا من الدنيا وبالغوا فيما يوجب النسبة إلى الرّب
وَالْأَحْبارُ
أي : العلماء السالكون طريقة أنبيائهم عطف على النبيون
بِمَا
أي : بسبب الذي
اسْتُحْفِظُوا
أي : استودعوه
مِنْ كِتابِ اللَّهِ
أي : استحفظهم اللّه تعالى إياه بأن يحفظوه من التضييع والتحريف أو بأن يحفظ فلا ينسى وقد أخذ اللّه على العلماء حفظ كتاب اللّه من هذين الوجهين معا : أحدهما : أن يحفظ في صدورهم ويدرسوه بألسنتهم والثاني : أن لا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه والراجع إلى ما محذوف ، ومن للتبيين والضمير في استحفظوا للأنبياء والربانيين والأحبار جميعا وكذلك الضمير في قوله تعالى :
وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ
أي : رقباء حاضرين لا يغيبون عنه ولا يتركون مراعاته أصلا وقوله تعالى :
فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ
نهي للحكام أن يخشوا غير اللّه تعالى في حكوماتهم خوفا من سلطان ظالم أو خيفة أذية أحد من الأقرباء والأصدقاء ، وقرأ أبو عمرو بإثبات الياء في الوصل دون الوقف والباقون بحذفها وصلا ووقفا
وَلا تَشْتَرُوا
أي : تستبدلوا
بِآياتِي
أي : بأحكامي التي أنزلتها
ثَمَناً قَلِيلًا
أي : من الرشا وغيرها لتكتموا أو تبدلوها كما فعل أهل الكتاب وقوله تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
قال عكرمة : معناه ومن لم يحكم بما أنزل اللّه جاحدا له فقد كفر ومن أقرّ به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق فحمل الآيات على هذا وهو ظاهر ، وقال الضحاك وقتادة : نزلت هذه الآيات الثلاث في اليهود دون من أساء من هذه الأمة وقيل : أولئك هم الكافرون في المسلمين لاتصالها بخطابهم والظالمون في اليهود والفاسقون في النصارى .
وَكَتَبْنا
أي : فرضنا
عَلَيْهِمْ
أي : اليهود
فِيها
أي : التوراة
أَنَّ النَّفْسَ
تقتل
بِالنَّفْسِ
إذا قتلتها
وَالْعَيْنَ
تفقأ
بِالْعَيْنِ
أي : بعين من فقأها
وَالْأَنْفَ
تجدع
بِالْأَنْفِ
أي : بأنف من جدعه
وَالْأُذُنَ
تقطع
بِالْأُذُنِ
أي : بأذن من قطعها
وَالسِّنَّ
تقلع
بِالسِّنِّ
أي : بسنّ من قلعها
وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ
أي : يقتص فيها إذا أمكن كاليد والرجل والذكر ونحو ذلك وما لا يمكن فيه القصاص فيه الحكومة وهذا الحكم وإن كتب عليهم فهو مفروض في شرعنا . وقرأ الكسائي هذه الألفاظ الخمسة وهي : العين بالعين إلى آخرها بالرفع على أنها جمل معطوفة على « أنّ » وما في حيزها باعتبار المعنى ، وكأنه قيل : كتبنا عليهم النفس بالنفس والعين بالعين فإنّ الكتابة والقراءة يقعان على الجمل كالقول أو مستأنفة ووافق الكسائي ابن كثير وأبو