تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠
جبلت عليه فكأنها حاضرة لا تغيب عنه ، فلا تكاد المرأة تسمح بالإعراض عنها والتقصير في حقها ولا بنفسه بأن يمسكها ويقوم بحقها على ما ينبغي إذ الزوج لا يكاد يسمح بنفسه إذا كرهها وخصوصا إذا أحب غيرها ، والشح أقبح البخل وحقيقته الحرص على منع الخير
وَإِنْ تُحْسِنُوا
أي : في عشرة النساء وإن كنتم كارهين
وَتَتَّقُوا
أي : النشوز والإعراض ونقص الحق
فَإِنَّ اللَّهَ كانَ
أزلا وأبدا
بِما تَعْمَلُونَ
أي : من الإحسان والخصومة
خَبِيراً
أي : عليما به وبالغرض منه فيجازيكم عليه .
وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا
أي : توجدوا من أنفسكم طواعية بالغة دائمة
أَنْ تَعْدِلُوا
أي : تسووا بين
النِّساءِ
أي : في المحبة ؛ لأنّ العدل أن لا يقع ميل البتة وهو متعذر ، ولذلك كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقسم بين نسائه فيعدل ويقول : « هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك » « 1 » رواه أبو داود وغيره وصححه الحاكم
وَلَوْ حَرَصْتُمْ
على تحرّي ذلك وبالغتم فيه
فَلا تَمِيلُوا
أي : إلى التي تحبونها
كُلَّ الْمَيْلِ
في القسم والنفقة فإنّ ما لا يدرك كله لا يترك كله
فَتَذَرُوها
أي : تتركوا المرأة الممال عنها
كَالْمُعَلَّقَةِ
أي : التي لا هي أيم ولا ذات بعل . وعن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « من كان له امرأتان يميل إلى إحداهما جاء يوم القيامة وإحدى شقيه مائل » « 2 » رواه أبو داود وغيره وصححه الحاكم . وروي أنّ عمر رضي اللّه تعالى عنه بعث إلى أزواج النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بمال فقالت عائشة رضي اللّه تعالى عنها : إلى كل أزواج النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بعث عمر مثل هذا قالوا : لا بعث إلى القرشيات بمثل هذا وإلى غيرهنّ بغيره فقالت : ارفع رأسك فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يعدل بيننا في القسمة بماله ونفسه فرجع الرسول فأخبره فأتم لهنّ جميعا ، وكان لمعاذ رضي اللّه تعالى عنه امرأتان فإذا كان عند إحداهما لم يتوضأ في بيت الأخرى فماتتا في الطاعون فدفنهما في قبر واحد
وَإِنْ تُصْلِحُوا
أي : ما كنتم تفسدون من أمورهنّ
وَتَتَّقُوا
فيما يستقبل
فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً
أي : لما في قلوبكم من الميل
رَحِيماً
بكم في ذلك وغيره فإنه أرحم الراحمين .
وَإِنْ يَتَفَرَّقا
أي : يفترق كل من الزوجين من صاحبه بالطلاق
يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا
منهما عن الآخر ببدل بأن يرزقها زوجا ويرزقه غيرها أو سلوا
مِنْ سَعَتِهِ
أي : من فضله وكرمه
وَكانَ اللَّهُ واسِعاً
أي : واسع الفضل والرحمة بخلقه
حَكِيماً
أي : فيما دبره لهم ، وفي قوله تعالى :
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
أي : ملكا وعبيدا تنبيه على كمال سعته وقدرته
وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ
أي : جنس الكتب
مِنْ قَبْلِكُمْ
أي : اليهود والنصارى ومن قبلهم وقوله تعالى :
وَإِيَّاكُمْ
عطف على الذين وهو خطاب لأهل القرآن
أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ
أي : بأن اتقوا اللّه أي : خافوا عقابه بأن تطيعوه ، وقوله تعالى :
وَإِنْ تَكْفُرُوا
أي : بما وصيتم به
فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
على إرادة القول . قال التفتازاني : لأنّ الجملة الشرطية لا تصح أن تقع بعد أن المصدرية فلا يصح عطفها على الواقع بعدها أي : وقلنا لهم ولكم إن تكفروا فإنّ اللّه مالك
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في النكاح حديث 2134 ، والترمذي في النكاح حديث 1140 ، والنسائي في عشرة النساء حديث 3943 ، وابن ماجة في النكاح حديث 1971 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في النكاح حديث 2133 ، والنسائي في عشرة النساء حديث 3942 ، والدارمي في النكاح حديث 2206 .