تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
أَبَداً
أي : لا إلى آخر
وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا
أي : وعدهم اللّه ذلك وهو قوله تعالى : سندخلهم وحقه حقا
وَمَنْ
أي : لا أحد
أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا
أي : قولا ، وأكثر سبحانه وتعالى من التأكيد هنا ؛ لأنه في مقابلة وعد الشيطان ، ووعد الشيطان موافق للهوى الذي طبعت عليه النفوس ، فلا تنصرف عنه إلا بعسر شديد . ونزل لما افتخر المسلمون وأهل الكتاب وهم اليهود والنصارى فقال أهل الكتاب : نبيّنا قبل نبيّكم وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى باللّه منكم ، وقال المسلمون : نبيّنا خاتم الأنبياء وكتابنا يقضي على الكتب وقد آمنا بكتابكم ولم تؤمنوا بكتابنا فنحن أولى .
لَيْسَ
أي : الأمر منوطا
بِأَمانِيِّكُمْ
أيها المسلمون
وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ
بل بالإيمان والعمل الصالح
مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ
قال ابن عباس لما نزلت هذه شقت على المسلمين وقالوا : يا رسول اللّه أينا لم يعمل سوءا غيرك فكيف الجزاء ؟ قال : منه ما يكون في الدنيا أي : بالبلاء والمحن كما ورد في الحديث : « فمن يعمل حسنة فله عشر أمثالها ومن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشرة وبقي له تسع حسنات ، فويل لمن غلبت آحاده أعشاره » « 1 » وأمّا ما كان جزاء في الآخرة فيقابل بين حسناته وسيئاته فيلقى مكان كل سيئة حسنة وينظر في الفضل فيعطي الجزاء في الجنة فيؤتي كل ذي فضل فضله ، وعن أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه قال : كنت عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأنزلت عليه
مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ
وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ
أي : غيره
وَلِيًّا
أي : يحفظه
وَلا نَصِيراً
أي : يمنعه منه قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا أبا بكر ألا أقرئك آية نزلت عليّ ؟ » قلت : بلى يا رسول اللّه قال : فأقرأنيها قال : ولا أعلم أني قد وجدت انفصاما في ظهري حتى تمطيت لها فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ما لك يا أبا بكر فقلت : يا رسول اللّه بأبي أنت وأمي وأينا لم يعمل سوءا وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أمّا أنت يا أبا بكر وأصحابك المؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا » أي : بالبلاء والمحن كما مرّ حتى تلقوا اللّه وليس لكم ذنوب ، « وأمّا الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا يوم القيامة » « 2 » .
وَمَنْ يَعْمَلْ
شيئا
مِنَ الصَّالِحاتِ
فإن كل أحد لا يتمكن من كلها وليس مكلفا بها وقوله تعالى :
مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى
في موضع الحال من المستكن في يعمل ومن للبيان أو من الصالحات أي : كائنة من ذكر أو أنثى ومن للابتداء وقوله تعالى :
وَهُوَ مُؤْمِنٌ
حال شرط اقتران العمل بها في استدعاء الثواب المذكور تنبيها على أنه لا اعتداد بالعمل الصالح دون اقتران بها
فَأُولئِكَ
أي : العالو الرتبة
يَدْخُلُونَ
أي : ندخلهم
الْجَنَّةَ
أي : الموصوفة
وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً
قدر نقرة النواة من ثواب أعمالهم وإن لم ينقص ثواب المطيع فبالحري أن لا يزاد عقاب العاصي ؛ لأنّ المجازي هو أرحم الراحمين ، ولذلك اقتصر على ذكره عقب الثواب ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وشعبة بضم الياء وفتح الخاء ، والباقون بفتح الياء وضم الخاء .
وَمَنْ
أي : لا أحد
أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ
أي : انقاد وأخلص عمله
لِلَّهِ
فلا حركة ولا سكون إلا فيما يرضاه ، وفي هذا الاستفهام تنبيه على أنّ ذلك منتهى ما تبلغه القوّة البشرية
وَهُوَ
أي : والحال أنه
مُحْسِنٌ
أي : مؤمن مراقب آت بالحسنات تارك للسيئات ، لأنه يعبد اللّه كأنه يراه ، وقد اشتملت هذه الكلمات العشر على الدين كله أصلا وفرعا مع الترغيب بالمدح
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في تفسيره 13872 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في التفسير حديث 3039 .