تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 345

مساهمون:

ص٣٤٥
وبما يصلح للمقسوم له من بسط في الرزق وقبض
وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ
[ الشورى ، 27 ] فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم له علما بأنّ ما قسم له هو المصلحة ولو كان خلافه لكان مفسدة له ولا يحسد أخاه على حظه . قال مجاهد : قالت أمّ سلمة : يا رسول اللّه إنّ الرجال يغزون ولا نغزو ولهم ضعف ما لنا من الميراث فلو كنا رجالا غزونا وأخذنا من الميراث مثل ما أخذوا فنزلت هذه الآية ، وقيل : لما جعل اللّه تعالى للذكر مثل حظ الأنثيين في الميراث قالت النساء : نحن أحوج إلى الزيادة من الرجال ، فإنا ضعفاء وهم أقوياء وأقدر في طلب المعاش منا فنزلت . وقال قتادة والسديّ : لما أنزل اللّه تعالى للذكر مثل حظ الأنثيين قال الرجال : إنا لنرجو أن نفضل على النساء في الآخرة فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء كما فضلنا عليهنّ في الميراث فأنزل اللّه تعالى
لِلرِّجالِ نَصِيبٌ
أي : ثواب
مِمَّا اكْتَسَبُوا
أي : بسبب ما عملوا من الجهاد
وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ
أي : من حفظ فروجهنّ وطاعة اللّه وطاعة أزواجهنّ ، فالرجال والنساء في الأجر في الآخرة سواء ، وذلك أنّ الحسنة تكون بعشر أمثالها يستوي في ذلك الرجال والنساء ، وفضل الرجال على النساء إنما هو في الدنيا
وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ
أي : لا تتمنوا ما للناس واسألوا اللّه ما احتجتم إليه يعطكم من خزائنه التي لا تنفد ، فنهى اللّه عن التمني لما فيه من دواعي الحسد والحسد ، أن يتمنى الشخص زوال النعمة عن صاحبها سواء تمناها لنفسه أم لا ، والغبطة أن يتمنى لنفسه مثل ما لصاحبه وهو جائز ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا حسد - أي : لا غبطة - إلا في اثنتين » « 1 » الحديث
إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً
فهو يعلم ما يستحقه كل إنسان فيفضل عن علم وتبيان .
وَلِكُلٍّ
من الرجال والنساء
جَعَلْنا مَوالِيَ
أي : عصبة يعطون
مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ
لهم من المال فالوالدان والأقربون هم المورثون ، وقيل : معناه ولكل جعلنا موالي أي : ورثة مما ترك أي : من الذين تركهم فتكون ما بمعنى من ، ثم فسر الموالي فقال : الوالدان والأقربون أي : هم الوالدان والأقربون ، فعلى هذا القول الوالدان هم الوارثون
وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ
والمعاقدة المعاهدة والمحالفة ، والأيمان جمع يمين بمعنى القسم أو اليد وذلك أنهم كانوا عند المحالفة يأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد ، ومحالفتهم أنّ الرجل كان في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول : دمي دمك وثأري ثأرك وحربي حربك وسلمي سلمك وترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك وتعقل عني وأعقل عنك ، فيكون للحليف السدس من مال الحليف وكان ذلك ثابتا في ابتداء الإسلام ، فذلك قوله تعالى :
فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ
[ النساء ، 33 ] أي : أعطوهم حظهم من الميراث ، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى :
وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ
[ الأنفال ، 75 . وسورة الأحزاب ، 6 ] . وقال مجاهد : أراد فآتوهم نصيبهم من النصر والرفد ولا ميراث ، وعلى هذا الآية غير منسوخة لقوله تعالى :
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
[ المائدة ، 1 ] وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم في خطبته يوم فتح مكة : « لا تحدثوا حلفا في الإسلام وما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به فإنه لم يزده الإسلام إلا شدّة » « 2 » قال
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في العلم باب 15 ، والزكاة باب 5 ، والأحكام باب 3 ، والتمني باب 5 ، والاعتصام باب 13 ، والتوحيد باب 45 ، وأحمد في المسند 2 / 9 ، 36 . ( 2 ) أخرجه الترمذي حديث 1585 ، وأحمد في المسند 2 / 207 ، 213 ، والسيوطي في الدر المنثور 2 / 151 ، 253 .