تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 341

مساهمون:

ص٣٤١
أي : زيادة فضل وقد طاله طولا فهو طائل كما قال القائل « 1 » :
لقد زادني حبا لنفسي أنني * بغيض إلى كل امرئ غير طائل
ومنه قولهم : هذا أمر ما تحته طائل أي : شيء يعتد به مما له فضل وخطر ، ومنه الطول في الجسم ؛ لأنه زيادة فيه كما أنّ القصر قصور فيه ونقصان ، والمعنى : ومن لم يستطع زيادة في المال وسعة
أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ
أي : الحرائر وقوله تعالى :
الْمُؤْمِناتِ
جرى على الغالب ، فلا مفهوم له فإن الحرائر الكتابيات كذلك
فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ
أي : إمائكم المؤمنات أي : ومن لم يقدر على مهر الحرّة المؤمنة أي : أو الكتابية كما مرّ فليتزوّج الأمة المؤمنة ، وظاهر الآية حجة للشافعي رضي اللّه تعالى في تحريم نكاح الأمة على من ملك ما يجعله صداق حرّة ومنع نكاح الأمة الكتابية مطلقا ، وأوّل أبو حنيفة رضي اللّه تعالى عنه طول المحصنات بأن يملك فراشهنّ على أنّ النكاح هو الوطء وحمل قوله :
( مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ )
على الأفضل كما حمل عليه قوله : ( المحصنات المؤمنات ) . ومن أصحابنا من حمله أيضا على التقييد وجوّز نكاح الأمة لمن قدر على الحرّة والكتابية دون المؤمنة حذرا من مخالطة الكفار وموالاتهم ، والمحذور في نكاح الأمة رق الولد ؛ ولأنها ممتهنة مبتذلة خراجة ولاجة ، وذلك كله نقصان راجع إلى الناكح ومهانة ، والعزة من صفات المؤمنين ، وأمّا وطؤها بملك اليمين فجائز باتفاق . فائدة : قوله تعالى :
فَمِنْ ما مَلَكَتْ
من مقطوعة عن ما
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ
أي : بتفاضل ما بينكم وبين أرقائكم في الإيمان ورجحانه ونقصانه فيهم وفيكم ، وربما كان إيمان الأمة أرجح من إيمان الحرّة ، والمرأة أفضل في الإيمان من الرجل وحق المؤمنين أن لا يعتبروا إلا فضل الإيمان لا فضل الأحساب والأنساب ، وهذا تأنيس بنكاح الإماء وترك الاستنكاف منه فإنه العالم بالسرائر
بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ
أي : أنتم وإماؤكم سواء في النسب والدين نسبكم من آدم ودينكم الإسلام فلا تستنكفوا من نكاحهنّ
فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ
أي : مواليهنّ
وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ
أي : أدوا إليهنّ مهورهنّ بإذن أهلهنّ فحذف بإذن لتقدّم ذكره ، أو أدوا إلى مواليهنّ فحذف المضاف للعلم بأن المهر للسيد ؛ لأنه عوض حقه فيجب أن يؤدّى إليه ، وقال مالك : المهر للأمة ذاهبا إلى ظاهر الآية
بِالْمَعْرُوفِ
أي : من غير مطل ولا ضرار وقوله تعالى :
مُحْصَناتٍ
أي : عفيفات حال من ضمير فانكحوهنّ وهو محمول على الندب بناء على المشهور من جواز نكاح الزواني
غَيْرَ مُسافِحاتٍ
أي : زانيات جهرا
وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ
أي : أخلاء يزنون بها سرا جمع خدن وهو الصديق في السر ، وقيل : المسافحات اللاتي يزنين مع أي رجل ، وذوات الأخدان اللاتي يزنين مع معين وذلك بحسب ما كان في الجاهلية .
فَإِذا أُحْصِنَّ
قرأ شعبة وحمزة والكسائي أحصن بفتح الهمزة والصاد على البناء للفاعل أي : تزوّجن والباقون بضم الهمزة وكسر الصاد على البناء للمفعول أي : زوّجن ،
فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ
أي : زنا
فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ
أي : الحرائر الأبكار إذا زنين
مِنَ الْعَذابِ
أي : الحدّ فيجلدن خمسين ويغربن نصف سنة ، ويقاس عليهنّ العبد .
هامش
( 1 ) البيت من الطويل ، وهو بلا نسبة في صبح الأعشى 2 / 328 .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 341 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين