تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
يروى ذلك عن عمران بن حصين وأبي هريرة وهو قول أصحاب الرأي . وهل المباشرة بشهوة كلمس وقبلة كالوطء في تحريم الربيبة ؟ فيه قولان : أحدهما : وهو الأصح من مذهب الشافعيّ لا ؛ لأنّ ذلك لا يوجب العدّة ، فكذا لا يوجب الحرمة . والثاني : نعم ؛ لأنّ ذلك كالوطء بجامع التلذذ بالمرأة ؛ ولأنه استمتاع يوجب الفدية على المحرم فكان كالوطء وبهذا قال جمهور العلماء . ثم ذكر سبحانه وتعالى تحريم الجمع بقوله تعالى :
وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ
أي : ولا يجوز للرجل أن يجمع بين أختين في نكاح سواء كانتا من نسب أم رضاع سواء أنكحهما معا أم مترتبا ، فإذا نكح امرأة ، ثم طلقها بائنا جاز له نكاح أختها ، وخرج بالجمع في النكاح الجمع بملك اليمين ، فإنه جائز لكن لا يجوز أن يجمع بينهما في الوطء فإذا وطئ إحداهما لم يحل له وطء الأخرى حتى يحرّم الأولى على نفسه ، ويلحق بالأختين بالسنة الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها من نسب أو رضاع ولو بواسطة ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تنكح المرأة على عمتها ولا العمة على بنت أخيها ولا المرأة على خالتها ولا الخالة على بنت أختها لا الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى » « 1 » ، رواه الترمذي وغيره وصححوه ؛ ولما فيه من قطيعة الرحم ، وإن رضيت بذلك ، فإن الطبع يتغير وإليه أشار صلّى اللّه عليه وسلّم في خبر النهي عن ذلك بقوله : « إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامهنّ » « 2 » . كما رواه ابن حبان وغيره ، وضابط تحريم الجمع ابتداء ودواما هو كل امرأتين بينهما قرابة أو رضاع ولو فرضت إحداهما ذكرا حرم الجمع بينهما بنكاح أو وطء بملك اليمين ، وقوله تعالى :
إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ
استثناء عن لازم المعنى وهو المؤاخذة ، فكأنه قال تعالى : تؤاخذون بذلك إلا ما قد سلف قبل النهي فلا تؤاخذون به أو منقطع أي : لكن ما قد سلف من نكاح بعض ما ذكر فإنه مغفور لكم ويؤيد هذا قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً
لما سلف منكم قبل النهي
رَحِيماً
بكم في ذلك ، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر من رواية ابن ذكوان وعاصم بإظهار دال قد عند السين والباقون بالإدغام .
وَ
حرمت
الْمُحْصَناتُ
أي : ذوات الأزواج
مِنَ النِّساءِ
أن تنكحوهنّ قبل مفارقة أزواجهنّ سواء أكن حرائر أم لا ، مسلمات أم لا ، قال أبو سعيد الخدري : نزلت في نساء كنّ هاجرن إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولهنّ أزواج ، فتزوّجهن بعض المسلمين ، ثم قدم أزواجهن مهاجرين ، فنهى اللّه المسلمين عن نكاحهنّ ، ثم استثنى فقال :
إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ
أي : من الإماء بالسبي فلكم وطؤهنّ وإن كان لهنّ أزواج في دار الحرب بعد الاستبراء ؛ لأنّ بالسبي يرتفع النكاح بينها وبين زوجها ، قال أبو سعيد الخدري : بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم حنين جيشا إلى أوطاس ، فأصابوا سبايا لهنّ أزواج من المشركين ، فكرهوا غشيانهنّ وتحرجوا فأنزل اللّه هذه الآية « 3 » . فائدة : قرأ الكسائي جميع ما في القرآن من لفظ المحصنات ومحصنات بكسر الصاد إلا هذا
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في النكاح حديث 2065 . ( 2 ) ابن حبان في صحيحه حديث 4116 . ( 3 ) انظر مسلم في الرضاع حديث 1456 ، وأبا داود في النكاح حديث 2155 ، والترمذي في النكاح حديث 1132 ، والنسائي في النكاح حديث 3333 .