تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
للنبيّ وكان واصلا إليه من الملأ الأعلى بلا واسطة بشرية فناسب الإتيان بعلى المختصة بالعلوّ ، وما هناك خطاب للأمّة وقد وصل إليهم بواسطة النبيّ الذي هو من البشر فناسب الإتيان بإلى المختصة بالاتصال . قال الزمخشري : فيه تعسف ألا ترى إلى قوله :
بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ *
و
أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ
[ النساء ، 105 ] وإلى قوله تعالى :
آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا
[ آل عمران ، 72 ] . فإن قيل : لم قدم المنزل عليه على المنزل على سائر الرسل ؟ أجيب : بأنه إنما قدم ؛ لأن المنزل عليه هو المعرّف للمنزل على سائر الرسل ، ولأنه أفضل الكتب المنزلة
وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
أي : موحدون مخلصون له في العبادة لا نجعل له شريكا فيها . ونزل فيمن ارتدّ ولحق بالكفار وهم اثنا عشر رجلا ارتدّوا عن الإسلام وخرجوا من المدينة وأتوا مكة كفارا منهم الحارث بن سويد الأنصاري .
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً
أي : غير التوحيد والانقياد لحكم اللّه فهو مشتمل على الإيمان بهذا التقدير ودينا تمييز مبين للإسلام والدين يشتمل على التصديق والأعمال الصالحة فالإسلام كذلك ؛ لأنّ المبين لا يخالف المبين وعلى هذا حمل الإسلام على الدين في قوله تعالى :
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ
[ آل عمران ، 19 ] والدين هو الوضع الإلهي السائق لكل خير
فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ
لمصيره إلى النار المؤبدة عليه وقوله تعالى :
كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ
لفظه استفهام ومعناه جحد أي : لا يهديهم اللّه لما علم من تصميمهم على كفرهم بأنهم كفروا بعد إيمانهم
وَ
بعدما
شَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَ
قد
جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ
أي : الحجج الظاهرة على صدق النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
أي : الكافرين .
أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
والمراد بالناس المؤمنون أو العموم ، فإن الكافر يلعن منكر الحق والمرتد عنه ولكن لا يعرف الحق بعينه . تنبيه : دلت هذه الآية بمنطوقها على جواز لعن القوم المذكورين وبمفهومها على نفي جواز لعن غيرهم من الكفار الذين لم يكفروا بعد إيمانهم . قال البيضاوي : ولعلّ الفرق أنهم أي : هؤلاء مطبوعون على الكفر ممنوعون عن الهدي مأيوسون عن الرحمة بخلاف غيرهم أي : فلا يلعن الكافر الأصلي المعين حيا ولا ميتا ما لا يعلم موته على الكفر ، وكالأصلي المرتدّ وأمّا لعن الكافر على العموم فيجوز .
خالِدِينَ فِيها
أي : اللعنة أو النار أو العقوبة المدلول باللعنة عليها
لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ
أي : يمهلون .
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا
عملهم تصديقا لتوبتهم
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
لهم يقبل توبتهم
رَحِيمٌ
بهم يتفضل عليهم وذلك « أنّ الحارث بن سويد لما ارتدّ ولحق بالكفار ندم فأرسل إلى قومه أن سلوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هل لي من توبة ، فأرسل إليه أخوه الجلاس بالآية فأقبل إلى المدينة فتاب وقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم توبته » « 1 » .
هامش
( 1 ) أخرجه بنحوه النسائي في تحريم الدم حديث 4068 .