تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
وقيل : « قال رجل : يا رسول اللّه نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك ؟ قال : « ما ينبغي أن يسجد لأحد من دون اللّه ، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله » « 1 » والبشر جميع بني آدم لا واحد له من لفظه كالقوم ويوضع موضع الجمع والواحد
وَلكِنْ
يقول :
كُونُوا رَبَّانِيِّينَ
أي : علماء عاملين منسوب إلى الرب بزيادة ألف ونون تفخيما كما يقال رقباني ولحياني وهو الشديد التمسك بدين اللّه تعالى وطاعته ، وقيل : الرباني هو الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره ، وقيل : الربانيون فوق الأحبار والأحبار العلماء والربانيون الذين جمعوا مع العلم البصارة لسياسة الناس . وعن الحسن : ربانيين علماء فقهاء ، وحكي عن عليّ رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : هو الذي يربي علمه بعمله . وقال محمد ابن الحنفية يوم مات ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهم : اليوم مات رباني هذه الأمّة
بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ
أي : بسبب كونكم تعلمون الكتاب وبسبب كونكم دارسين له ، فإنّ فائدة التعليم والتعلم معرفة الحق والخير للاعتقاد والعمل فيكتفي بذلك دليلا على خيبة سعي من جهد نفسه وكدّ روحه في جميع العلم ثم لم يجعله ذريعة إلى العمل ، فكان مثله كمثل من غرس شجرة حسناء تونقه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها ويجوز أن يكون معناه : تدرسونه على الناس كقوله تعالى :
لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ
وفيه أنّ من علم ودرس العلم ولم يعمل ، فليس من اللّه في شيء وأنّ السبب بينه وبين اللّه تعالى منقطع حيث لم يثبت النسبة إليه إلا للمتمسكين بطاعته . وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح التاء وسكون العين وفتح اللام مخففة ، والباقون بضمّ التاء وفتح العين وكسر اللام مشدّدة .
وَلا يَأْمُرَكُمْ
قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بنصب الراء عطفا على يقول أي : البشر والباقون برفع الراء على أنه استئناف أي : اللّه
أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً
كما اتخذت الصابئة الملائكة واليهود عزيرا والنصارى عيسى وقوله تعالى :
أَ يَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ
إنكار والضمير فيه للبشر أو للّه على الوجهين السابقين وقوله تعالى :
بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
دليل على أنّ الخطاب للمسلمين وهم المستأذنون على أن يسجدوا له .
وَ
اذكر
إِذْ
أي : حين
أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ
أي : عهدهم
لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ .
قرأ حمزة والكسائي بكسر اللام من لما فتكون متعلقة بأخذ ، والباقون بالفتح على الابتداء وتوكيد معنى القسم الذي في أخذ الميثاق ، وما موصولة على الوجهين أي : للذي آتيتكموه لتؤمننّ به ، وقرأ نافع : آتيناكم بالنون مفتوحة بعد الياء بعدها ألف ، والباقون بتاء مضمومة
ثُمَّ جاءَكُمْ
تقدّم أنّ حمزة وابن ذكوان يميلان الألف محضة ، والباقون بالفتح
رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ
من الكتاب والحكمة وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وقوله تعالى :
لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ
جواب القسم أي : إن أدركتموه وأممهم تبع لهم في ذلك . وقيل : المراد أولاد النبيين على حذف المضاف وهم بنو إسرائيل أو سماهم نبيين تهكما لأنهم كانوا يقولون : نحن أولى بالنبوّة من محمد ؛ لأنا أهل كتاب والنبيون كانوا منا
قالَ
اللّه تعالى لهم :
أَ أَقْرَرْتُمْ
بذلك قرأ قالون وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية وألف بينها وبين الهمزة الأولى وابن كثير كذلك إلا أنه لا يدخل ألفا بينهما ، ولورش
هامش
( 1 ) روي الحديث بلفظ : « معاذ اللّه أن نعبد غير اللّه . . . » أخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 / 46 ، وابن كثير في تفسيره 2 / 54 ، والطبري في تفسيره 3 / 232 .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 262 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين