تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ
أي : لن تبلغوا حقيقة البر الذي هو كمال الخير أو لن تنالوا بر اللّه تعالى الذي هو الرحمة والرضا والجنة
حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
من أموالكم أو ما يعمها وغيرها كبذل الجاه في معاونة الناس والبدن في طاعة اللّه تعالى والنفس في سبيله ، وقال الحسن : لن تكونوا أبرارا . روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرّى الصدق حتى يكتب عند اللّه صديقا ، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ، وما يزال الرجل يكذب ويتحرّى الكذب حتى يكتب عند اللّه كذابا » « 1 » وكان السلف رحمهم اللّه إذا أحبوا شيئا جعلوه للّه . روي لما نزلت هذه الآية جاء أبو طلحة فقال : يا رسول اللّه إن أحب أموالي إلي بيرحاء - وهو بفتح الباء الموحدة وكسرها وبفتح الراء وضمها مع المدّ والقصر ضيعة بالمدينة وكانت مستقبلة المسجد ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب - فضعها يا رسول اللّه حيث أراك اللّه فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « بخ بخ ذاك مال رابح - أو قال رائح - وإني أرى أن تجعلها في الأقربين فقال أبو طلحة : افعل يا رسول اللّه فقسمها في أقاربه » « 2 » قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : بخ بخ كلمة تقال عند المدح والرضا بالشيء وتكرّر للمبالغة وهي مبنية على السكون ، فإن وصلت كسرت ونونت وربما شدّدت وقوله : رابح أو رائح يقال لضيعة الإنسان : مال رائح بالياء أي : يروح نفعه إليه ورابح بالباء الموحدة أي : ذو ربح كقولك لابن وتأمر أي : ذو لبن وذو تمر . وجاء زيد بن حارثة بفرس له كان يحبها فقال : هذه في سبيل اللّه فحمل عليها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أسامة بن زيد بن حارثة فكأن زيدا وجد في نفسه وقال : إنما أردت أن أتصدّق به ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أما إن اللّه قد قبلها منك » « 3 » وكتب عمر رضي اللّه تعالى عنه إلى أبي موسى الأشعريّ أن يبتاع له جارية من سبي جلولاء يوم فتحت مدائن كسرى ، فلما جاءت أعجبته فقال : إن اللّه قال :
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
فأعتقها وقال : لولا أني لا أعود في شيء جعلته للّه لنكحتها
وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ
أي : من أي شيء تحبونه أو غيره ومن بيان لما
فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
فيجازيكم بحسبه .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الأدب حديث 6094 ، ومسلم في البر حديث 2607 ، وأبو داود في الأدب حديث 4989 ، والترمذي في البر حديث 1971 ، وابن ماجة في المقدمة حديث 46 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الزكاة باب 44 ، وتفسير سورة 3 باب 5 ، ومسلم في الزكاة حديث 43 . ( 3 ) أخرجه الطبري في تفسيره 3 / 247 ، والسيوطي في الدر المنثور 2 / 50 .