تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
بالحجج المحققة أنه من عند اللّه وهو في موضع الحال أي : محقا
مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ
أي : قبله من الكتب . فإن قيل : كيف سمي ما مضى بأنه بين يديه ؟ أجيب : بأن تلك الأخبار لغاية ظهورها وكونها موجودة سماها بهذا الاسم
وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ
جملة على موسى عليه الصلاة والسّلام
وَالْإِنْجِيلَ
جملة على عيسى عليه الصلاة والسّلام .
مِنْ قَبْلُ
أي : قبل تنزيل القرآن ، واختلف الناس في هذين اللفظين هل يدخلهما الاشتقاق والتصريف أو لا يدخلانهما لكونهما أعجميين فلا يناسب كونهما مشتقين ، ورجح هذا الزمخشري وقال : قالوا لأنّ هذين اللفظين اسمان عبرانيان لهذين الكتابين الشريفين وقوله تعالى :
هُدىً
حال بمعنى هاديين من الضلالة ولم يثنه ؛ لأنه مصدر
لِلنَّاسِ
أي : على العموم إن قلنا : متعبدون بشرع من قبلنا وهو رأي وإلا فالمراد بالناس قومهما وإنما عبر في التوراة والإنجيل بأنزل وفي القرآن بنزل المقتضى للتكرير ؛ لأنهما أنزلا دفعة واحدة بخلافه . وقيل : إن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا جملة واحدة ومن سماء الدنيا منجما في ثلاث وعشرين سنة فحيث عبر فيه بأنزل أريد الأول أو ينزل أريد الثاني . فإن قيل : يردّ الأوّل بقوله تعالى :
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ
وبقوله تعالى :
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ
[ البقرة ، 4 ] وبقوله تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ
[ الكهف ، 1 ] وبقوله تعالى :
وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ
[ الإسراء ، 105 ] ويرد الثاني بقوله تعالى :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً
[ الفرقان ، 32 ] أجيب : بأن القول بذلك جرى على الغالب
وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ
أي : الكتب الفارقة بين الحق والباطل وذكره بعد الكتب الثلاثة ليعم ما عداها ، فكأنه قال : وأنزل سائر ما يفرق به بين الحق والباطل ولم يجمع ؛ لأنه مصدر بمعنى الفرق كالغفران والكفران وقيل : القرآن وكرّر ذكره بما هو نعت له مدحا وتعظيما وإظهارا لفضله من حيث إنه يشاركهما في كونه وحيا منزلا وتمييز بأنه معجز يفرق به بين المحق والمبطل . وقيل : أراد الكتاب الرابع وهو الزبور كما قال تعالى :
وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً
[ النساء ، 163 ] قال الزمخشريّ : وهو ظاهر ولما قرّر سبحانه جميع ما يتعلق بمعرفة الإله أتبع ذلك بالوعيد زجرا للمعرضين عن هذه الدلائل الباهرة فقال :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ
من القرآن وغيره
لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ
بسبب كفرهم
وَاللَّهُ عَزِيزٌ
أي : غالب على أمره فلا يمنعه شيء من إنجاز وعده ووعيده
ذُو انْتِقامٍ
ممن عصاه والنقمة عقوبة المجرم أي : يعاقبه عقوبة شديدة لا يقدر على مثلها أحد .
إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ
كائن
فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
لعلمه بما يقع في العالم من كليّ وجزئيّ . فإن قيل : لم خصهما بالذكر مع أنه عالم بجميع الأشياء أجيب : بأنه تعالى إنما خصهما به ؛ لأنّ البصر لا يتجاوزهما . فإن قيل : لم قدّم الأرض على السماء ؟ أجيب : بأنها إنما قدمت ترقيا من الأدنى إلى الأعلى وهذه الآية كالدليل على كونه حيا . وقوله تعالى :
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ
أي : من ذكورة وأنوثة ، وبياض