تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
وبإتعاب القرائح في استخراج معانيها والتوفيق بينها وبين المحكمات الدرجات العلى عند اللّه . فإن قيل : لم فرق هنا بين المحكم والمتشابه وقد جعل كل القرآن محكما في موضع آخر فقال
الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ
[ هود ، 1 ] وجعل كله متشابها في موضع آخر فقال
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً
[ الزمر ، 23 ] أجيب : بأنه حيث جعل الكل محكما فمعناه أنّ آياته حفظت من فساد المعنى وركاكة اللفظ . وحيث جعل الكل متشابها فمعناه أنّ آياته يشبه بعضها بعضا في صحة المعنى وجزالة اللفظ . تنبيه : أخر جمع أخرى وإنما لم ينصرف ؛ لأنه وصف معدول عن الأخريات ففيه الوصف والعدل وهما علتان يمنعان الصرف
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ
أي : ميل عن الحق كالمبتدعة
فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ
أي : فيتعلقون بظاهره أو بتأويل باطل
ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ
أي : طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم بالتشكيك والتلبيس ومناقضة المحكم بالمتشابه
وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ
أي : وطلب أن يؤولوه على ما يشتهونه
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ
أي : الذي يجب أن يحمل عليه
إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
أي : الذين ثبتوا وتمكنوا فيه وسئل مالك بن أنس عن الراسخين في العلم قال : العالم العامل بما علم المتبع . وقال غيره : هو من وجد في علمه أربعة أشياء : التقوى بينه وبين اللّه تعالى ، والتواضع بينه وبين الخلق ، والزهد بينه وبين الدنيا ، والمجاهدة بينه وبين نفسه . تنبيه : اختلف العلماء في نظم هذه الآية فقال قوم : الواو في قوله
وَالرَّاسِخُونَ
واو العطف أي : أنّ تأويل المتشابه يعلمه اللّه ويعلمه الراسخون في العلم وهم مع علمهم
يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ
وهذا قول مجاهد والربيع وعلى هذا يكون قوله :
يَقُولُونَ
حالا معناه والراسخون في العلم قائلين : آمنا به ، وذهب الأكثرون إلى أن الواو في قوله : والراسخون واو الاستئناف وتم الكلام عند قوله :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ
وهو قول أبي بن كعب وعائشة وغيرهما وقالوا : لا يعلم تأويل المتشابه إلا اللّه ويجوز أن يكون للقرآن تأويل استأثر اللّه بعلمه لم يطلع عليه أحدا من خلقه كما استأثر بعلم الساعة ووقت طلوع الشمس من مغربها ، وخروج الدجال ، وعدد الزبانية ، ونزول عيسى عليه الصلاة والسّلام ونحوها والخلق متعبدون في المتشابه بالإيمان به ، وفي المحكم بالإيمان به والعمل . وقال عمر بن عبد العزيز في هذه انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا : آمنا به قال في « الكشاف » : والأوّل هو الأوجه اه . ووجهه شيخنا القاضي زكريا بقوله : لأنّ المتشابه على الثاني يصير الخطاب به كالخطاب بالمهملات اه . ومع هذا فالوجه هو الثاني ؛ لأنه أشبه بظاهر الآية ويدل له وجوه : أحدها أنه ذمّ طالب المتشابه بقوله تعالى :
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ
الآية وثانيها : أنه مدح الراسخين في العلم بأنهم يقولون : آمنا به وقال في أوّل البقرة :
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ
[ البقرة ، 26 ] فهؤلاء الراسخون لو كانوا عالمين بتأويل المتشابه على التفصيل لما كان لهم في الإيمان به مدح ؛ لأنّ كل من عرف شيئا على سبيل التفصيل فلا بد أن يؤمن به وثالثها : لو كان قوله والراسخون معطوفا لصار قوله : يقولون آمنا به ابتداء وهو بعيد عن الفصاحة ، وكان الأولى أن يقال وهم يقولون أو يقال ويقولون . فإن قيل : في تصحيحه وجهان : الأوّل : أن يقولون خبر مبتدأ والتقدير هؤلاء العالمون