تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ
( 58 ) أي ما تقذفونه في الأرحام من النطف . وقرىء بفتح التاء من منى النطفة بمعنى أمناها .
أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ
تجعلونه بشرا سويا
أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ ( 59 )
شرح
يكون المراد فهلا تصدقون بأنا خلقناكم ؟ ولما ورد عليه أنه ما معنى التحضيض على التصديق بالخلق وهم مصدقون بأنه تعالى خلقهم وأنشأهم أول مرة والتحضيض إنما يتصور على ما لم يحصل بعد ؟ أشار إلى جوابه بقوله : « متيقنين محققين للتصديق » بذلك بأن تعملوا على مقتضى ذلك ، فإنهم لما أنكروا البعث والنشأة الثانية وعملوا على حسب ما يقتضيه هذا الإنكار من الإصرار على الكفر والانهماك في الشهوات كأنهم كانوا مكذبين بالنشأة الأولى ، فإن المصدق إذا لم يجر على موجب تصديقه يكون بمنزلة المكذب فالتحضيض في الحقيقة تخضيض على الأعمال التي هي نتيجة التصديق بالخلق وثمرته . فقول المصنف : « بالأعمال الدالة عليه » متعلق بقوله : « محققين بالخلق أو بالبعث » يعني أن قوله تعالى :فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَتحضيض على التصديق بمعنى : فهلا تصدقون . والتصديق لا بد له من مصدق ولم يذكر ذلك ، فيحتمل أن يكون المراد التحضيض على التصديق بالخلق الأول فإنهم وإن كانوا مصدقين به كقوله تعالى :وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ[ لقمان : 25 ] إلا أنهم منزلون منزلة المكذب من حيث إنهم لا يجرون على ما يقتضيه ذلك التصديق وهو الإيمان والطاعة ، وقد تقرر أن العالم بالشيء ينزل منزلة الجاهل به إذا لم يجر على مقتضى علمه ، فهم لما أصروا على الكفر واتباع الشهوات صاروا بمنزلة من يكذب بالخلق الأول فصح تحضيضهم على التصديق به . ويحتمل أن يكون المراد تحضيضهم على التصديق بالبعث استدلالا بقوله :أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَبالخلق الأول . ثم إنه تعالى لما قال :نَحْنُ خَلَقْناكُمْاستدل بقوله :أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَفإنه إلزام لهم على الاعتراف بأن الخالق في الابتداء هو اللّه تعالى ، فإن المني أمر ممكن والممكن لا بد له من موجد غيره ، وأن موجده لا يكون مخلوقا آخر وإلا لدار أو تسلسل فتعين أن خالقه هو اللّه الواحد القهار . كأنه لما قال :نَحْنُ خَلَقْناكُمْقال المشركون : خلقنا من النطف فرد عليهم بقوله :أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَأي إن زعمتم ذلك فأخبروني ، ومفعولها الأول « ما تمنون » والثاني الجملة الاستفهامية يقال : مني الرجل النطفة وأمناها بمعنى أي صبها . فقوله تعالى :ما تُمْنُونَسواء قرىء بفتح التاء أو بضمها معناه ما تصبونه في أرحام النساء . قال القرطبي : يحتمل عندي أن يختلف معناهما فيكون أمنى بمعنى أنزل عن جماع ، ومني بمعنى أنزل احتلاما . وهذه الآية احتجاج عليهم وبيان للآية الأولى ، وإذا ثبت عندكم أنّا خلقنا صورة الإنسان من النطفة المقذوفة في الأرحام فلتكن أعمالكم موافقة لهذا السلم أو فاعترفوا بالبعث أيضا ، فإن من