شرح
أكابرهم إلى أمر مال إليه الأصاغر . قوله : ( على اختلاف المذهبين ) أي في تنازع الفعلين فإن الفعلين المذكورين تنازعا واستدعى كل واحد منهما أن ينصب قوله :أَنْ جاءَهُعلى أنه مفعول له ، فأعمل البصريون الفعل الثاني لقربه منه أي « تولى » ل « أن جاءه الأعمى » ، والكوفيون أعملوا الفعل الأول أي « عبس » ل « أن جاءه » . وأم مكتوم كنية أم أبيه وكان ابن أم مكتوم معروفا بجدته لأبيه . روي أنه لما نزلت الآية خرج عليه الصلاة والسّلام في طلبه وهو يقول : « من رأى الأعمى » ؟ فلما لقيه عانقه وقال : « لن تزال في عيالي ما بقيت عيال محمد صلّى اللّه عليه وسلّم » . وروي أنه عليه الصلاة والسّلام ما عبس في وجه فقير بعد نزول هذه الآيات .
قوله : ( وقرىء أإن بهمزتين وبألف بينهم ) أي بهمزتين فقط ، وبهمزتين بينهما ألف للفصل بين همزة الاستفهام وهمزة « إن » ومعنى الاستفهام الإنكار . وعلى هاتين القراءتين يوقف على « تولى » ثم يبتدأ بقوله : « أإن جاءه » على معنى : ألأن جاءه الأعمى فعل ذلك فقوله : « أأن » على هاتين القراءتين ليس متعلقا بما قبله . قوله : ( وذكر الأعمى للإشعار الخ ) جواب عما يقال : إنه تعالى لما عاتب سيد المرسلين صلّى اللّه عليه وسلّم على مجرد أنه عبس في وجه ابن أم مكتوم كان ذلك تعظيما عظيما منه تعالى لابن أم مكتوم ، وإذا كان كذلك فكيف يليق بمثل هذا التعظيم أن يذكره باسم الأعمى مع أن ذكر الإنسان بهذا الوصف يقتضي تحقير شأنه ؟ أجاب عنه أولا بأن ذكره بلفظ الأعمى ليس لتحقير شأنه بل للإشعار بعذره في الإقدام على ما فعله والدلالة على أنه أحق بالكرامة . وثانيا بأنه كان لزيادة الإنكار على ما فعله من العبوس والتولي فإن أهل الإعذار وسع اللّه في حقهم ما لم يوسع في حق غيرهم كأنه يقول : إنه بسبب عماه استحق مزيد الرفق والرأفة فكيف يليق بك أن تخصه بالغلظة والتولي ؟ وإنما قال : « لزيادة الإنكار » لأن أصل الإنكار مستفاد من قوله :عَبَسَ وَتَوَلَّىبإسناد الفعلين إلى ضميره عليه الصلاة والسّلام بصيغة الغيبة فإن مقتضى الظاهر أن يقال : عبست وتوليت عمن جاءك بصيغة الخطاب فالسلوك إلى طريق الغيبة يشعر أن العابس والمتوالي غير المخاطب وأنه يشكي إلى المخاطب من فعله ، وذلك يدل على أن ذلك الفعل منكر لا يتصور وقوعه ممن جبل على خلق عظيم وبعث رحمة للعالمين وإنما المتصور أن يقع ذلك من غيره ، وأن يشكو المتكلم إلى المخاطب منه وهو إنكار عظيم لوقوعه فيكون ذكر ذلك المستهزأ به بوصف الأعمى مفيدا لزيادة الإنكار عليه . كأنه قيل : قد استحق ذلك المسكين عندك العبوس والإعراض عنه وكان من حقه أن تزيد لعماه التعطف والاهتمام بأمره ، كما أن وجه الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله تعالى :وَما يُدْرِيكَهو زيادة الإنكار على فعله . فإنه تعالى صور فعله مع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في صورة من يشكو إلى أحد جانيا جنى عليه ويقبل على الجاني حين التهب