من غير فرجة حال من المستكن في الحال الأولى ، والرص اتصال بعض البناء بالبعض واستحكامه .
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ
مقدر باذكر أو كان كذا
يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي
بالعصيان والرمي بالأدرة .
وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ
بما جئتكم من المعجزات . والجملة حال مقررة للإنكار ، فإن العلم بنبوته يوجب تعظيمه ويمنع إيذاءه وقد لتحقيق العلم .
فَلَمَّا زاغُوا
عن الحق
أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ
صرفها عن قبول الحق والميل إلى الصواب .
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ
( 5 ) هداية موصلة إلى معرفة الحق أو إلى الجنة .
شرح
الخلق أو الثناء عليهم والمعنى : أنه تعالى يرضى عمن ثبت في مكانه عند مجاهدة الكفار كثبوت البناء والتراص التضامم والتلاصق . عن سعيد بن جبير قال : هذا تعليم من اللّه تعالى للمؤمنين كيف يكونون عند قتال عدوهم ، فلا يجوز الخروج من الصف إلا لحاجة تعرض للإنسان أو لرسالة يرسله الإمام ، أو منفعة تظهر في الانتقال عن المقام كفرصة تنتهز ولا خلاف فيها . وفي الخروج عن الصف للمبارزة خلاف ؛ فقيل : إنه لا بأس فيه إرهابا للعدو وطلبا للشهادة وتحريضا على القتال . وقيل : لا يبرز أحد طلبا لذلك لأن فيه رياء إلا أن يطلب الكافر من يبارزه كما كان يوم بدر وفي غزوة خيبر . قوله : ( حال من المستكن في الحال الأولى ) لأن « صفا » بمعنى مصطفين ففيه ضمير وقوله : « كأنهم بنيان » حال منه على التداخل وهو أن تعمل الحال الأولى في الثانية ويكون الحالان لشيئين مختلفين ، وترادف الحالين أن يكونا لشيء واحد والبنيان واحد كالبناء ، ولذلك وصف بقوله : « مرصوص » ولم يقل : مرصوصة . ثم إنه تعالى لما عيّر من لم يثبت في موضع القتال بعدم الوفاء وحث المؤمنين على الثبات فيه ، وعلمهم بلسان الرسول كيف ينبغي أن يكونوا حال القتال ذكر بعده قصة موسى وعيسى عليهما الصلاة والسّلام وأنهما أمرا قومهما باتباع دين اللّه تعالى وطاعة رسوله فيما دعاهم إليه ، وأنهم زاغوا عن الحق واتبعوا أهواءهم فخذلهم اللّه تعالى ولم يوفقهم للاهتداء وقبول الحق جزاء على اختيارهم الباطل وعدم سعيهم في إصابة الحق بالنظر في الدلائل المنصوبة ، فقال :وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِالآية أي واذكر إذ قال أو حين قال لهم ما قال كان كذا وكذا ، فيكون منصوبا بما دل عليه ما بعده كأنه قيل : حين قال لهم زاغوا .
قوله : ( وقد لتحقيق العلم ) كأنه قيل : تؤذونني عالمين أني رسول اللّه إليكم علما يقينا لا شبهة فيه . وطريق إيذائهم أنهم نسبوا إليه الأدرة وأن قارون حمل امرأة على أن تدّعي على موسى أنه زنى بها وقولهم :اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ[ الأعراف : 138 ] وقولهم :فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ[ المائدة : 24 ] وقولهم : أنت قتلت هارون