قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
يعني اليهود
ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ
لأنهم منافقون مذبذبون بين ذلك .
وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ
وهو ادعاء الإسلام .
وَهُمْ يَعْلَمُونَ
( 14 ) أن المحلوف عليه كذب كمن يحلف بالغموس . وفي هذا التقييد دليل على أن الكذب .
شرح
وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة فقد كفاكم هذا التكليف . هذا كلام الإمام . ولا حاجة إلى هذا التكلف بما أشار إليه المصنف بقوله : « بأن رخص لكم أن لا تفعلوه » فتأمل . ثم إنه تعالى لما وبخ اليهود والمنافقين وهددهم بقوله :أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوىإلى قوله :حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُثم ساق الكلام إلى هنا عاد إلى ذم المنافقين بموالاتهم اليهود فقال :أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماًالآية التولي مرافقة العدو يقال منه تولاه . قوله : ( كمن يحلف بالغموس ) فإن المحلوف عليه فيه كذب . والغموس أن يحلف على أمر قد مضى بأنه قد وقع أو لم يقع وهو يعلم أنه كاذب ، وإن حلف على أمر قد مضى وهو يظن أن الأمر كما قال وهو ليس كذلك في نفس الأمر فهو لغو . وروي عن عائشة رضي اللّه عنها : أن اللغو ما يجري على اللسان من غير قصد اليمين سواء كان في أمر قد مضى أو في أمر سيكون مثل أن يقول : لا واللّه أو بلى واللّه . ويروى عن أبي حنيفة مثله .
وسميت الأولى غموسا لأنها تغمس صاحبها في الذنب ثم في النار . قال عليه الصلاة والسّلام : « الكبائر الإشراك باللّه وعقوق الوالدين وقتل النفس بغير حق واليمن الغموس » . ولم يجعل حلف المنافقين على الكذب غموسا بل شبهه به في كون الحالف متعمدا للكذب ، لأن الغموس هو الحلف على الماضي متعمدا للكذب وحلفهم ليس كذلك بل هو حلف على الحال . قوله : ( وفي هذا التقييد دليل الخ ) اعلم أنه لا واسطة بين الصدق والكذب عند الجمهور ، فإن صدق الخبر عندهم عبارة عن مطابقة حكمه للواقع وكذبه عبارة عن عدم مطابقته له . وقال النظام : صدق الخبر مطابقة حكمه لاعتقاد المخبر ولو كان ذلك الاعتقاد خطأ غير مطابق للواقع وكذبه عدم مطابقته لاعتقاد المخبر ولو كان ذلك الاعتقاد خطأ فقول من يقول : السماء تحتنا معتقدا ذلك صدق ، وقوله : السماء فوقنا غير معتقد كذب عنده وعند الجمهور بالعكس . وقال الجاحظ : صدقه مطابقته للواقع مع الاعتقاد بأنه مطابق وكذب الخبر عدم مطابقته للواقع مع اعتقاد أنه غير مطابق له ، فالخبر إنما يكون كاذبا لمجموع الأمرين عنده وهما عدم مطابقة حكمه للواقع وعلم المخبر بعدم مطابقته له . فاستدل المصنف على فساد قول الجاحظ بهذه الآية فقال : لو اعتبر في كذب الخبر علم المخبر بعدم مطابقة حكمه للواقع لكان تقييد قوله :وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِبالجملة الحالية وهي قوله :وَهُمْ يَعْلَمُونَخاليا عن الفائدة لأن كذب المحلوف عليه إذا استلزم علم المخبر بعدم مطابقة حكمه للواقع لزم أن يكون قوله :وَهُمْ يَعْلَمُونَضائعا بلا فائدة بخلاف ما إذا كان كذب