مسلمون ويقولون
كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ
في الدنيا أنهم لمنكم .
وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ
في حلفهم الكاذب لأن تمكن النفاق في نفوسهم بحيث يخيل إليهم في الآخرة أن الأيمان الكاذبة تروج الكذب على اللّه كما تروجه عليكم في الدنيا .
أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ
( 18 ) البالغون الغاية في الكذب حيث يكذبون مع عالم الغيب والشهادة ويحلفون عليه .
اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ
استولى من حذت الإبل وحزتها إذا استوليت وهو مما جاء على الأصل .
فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ
لا يذكرونه بقلوبهم ولا بألسنتهم .
أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ
جنوده وأتباعه .
أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ
( 19 ) لأنهم فوتوا على أنفسهم النعيم المؤبد وعرضوها للعذاب المخلد .
إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ
( 20 ) في جملة من هو أذل خلق اللّه .
كَتَبَ اللَّهُ
في اللوح .
لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي
أي بالحجة . وقرأ نافع وابن عامر و « رسلي » بفتح الياء .
إِنَّ
شرح
قوله : ( ويقولون كما يحلفون لكم ) الظاهر أن يقال : كما يحلفون لكم في الدنيا ويقولون إنهم لمنكم بيّن أن المحلوف عليه في الدنيا قولهم للمؤمنين إنهم لمنكم ، وأن المحلوف عليه في الآخرة قولهم :ما كُنَّا مُشْرِكِينَ[ الأنعام : 23 ] والمعنى : إنهم لشدة توغلهم في الكذب والنفاق في الدنيا بقوا في الآخرة على هذا الخلق الرديء مع معاينة ما أوعدوا من الأهوال وانكشاف الأحوال وانقلاب خفايا الأمور ظواهر ، فظنوا أنه يمكنهم ترويج كذبهم على علام الغيوب بالأيمان الكاذبة كما تستروا بها واتخذوها جنة في الدنيا .
قوله : ( من حذت الإبل وحزنها ) يقال : حاذ الإبل يحوذها ويحوزها أي يسوقها . كذا في الصحاح . وليس المراد أن استحوذ بالذال مشتق من الحوز بالزاي إلا أن يراد بالاشتقاق الاشتقاق الأكبر وهو أن يكون بين اللفظين تناسب في المخرج لا في جوهر الحروف . قوله :
( وهو مما جاء على الأصل ) يعني استحوذ بالذال فصيح لموافقة استعمال الفصحاء كاستصوب واستنوق ، وإن شذ قياسا . إذ القياس أن يقال : استحاذ بقلب الواو ألفا بعد نقل حركتها إلى الحاء . وكان استيلاء الشيطان وغلبته عليهم وسوقه حيثما أراد سببا لارتكابهم المعاصي غير ذاكرين اللّه تعالى ومقامهم بين يديه ومجازاتهم بما صنعوا . قوله : ( في جملة من هو أذل خلق اللّه تعالى ) لأن ذل أحد الخصمين على حسب عز الآخر فلهذا كانت عزة اللّه تعالى غير متناهية . قوله : ( أي بالحجة ) لم يذكر الغلبة بالسيف مع أن من بعث بالحزب من الرسل غالبون بالسيف كما أنهم غالبون بالحجة والبرهان ، لأن الغلبة بالحجة ثابتة لجميع الرسل بخلاف الغلبة بالسيف فإنها إنما تثبت لمن أمر منهم بالحرب . عن الزجاج أنه قال : غلبة الرسل على نوعين : من بعث منهم بالحرب فهو غالب بالحرب ، ومن بعث منهم بغير حرب